أعاد عرض تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025 داخل مجلس النواب فتح أحد أكثر الملفات تعقيداً في العراق، وهو ملف الفساد المستمر رغم عشرات التقارير الرقابية التي تصدر سنوياً، ورغم امتلاك الدولة منظومة واسعة من الهيئات والأجهزة المعنية بحماية المال العام.
فما كشفه التقرير لم يكن مجرد ملاحظات إدارية، بل تضمن أرقاماً ضخمة عن أموال غير مستحصلة، وتجاوزات في الصرف، ومخالفات ضريبية، وضعفاً في الرقابة على العقود، واستمرار تجاهل الحسابات الختامية، إلى جانب ملفات تتعلق بأملاك الدولة والقروض والأرباح الحكومية، الأمر الذي أعاد طرح سؤال قديم يتجدد كل عام: إذا كانت المخالفات تُشخّص بهذه الدقة، فلماذا تستمر بالوتيرة نفسها؟
ويؤكد نواب واكاديميون أن المشكلة لم تعد محصورة في اكتشاف الفساد، وإنما في غياب منظومة تضمن تنفيذ مخرجات ديوان الرقابة المالية، وتحويلها إلى قرارات وإجراءات ملزمة، وهو ما جعل التقارير السنوية تتحول إلى وثائق توثق الخروقات أكثر من كونها أدوات لإيقافها.
الحسابات الختامية الحلقة المفقودة
ومن بين أخطر ما كشفه رئيس ديوان الرقابة المالية أمام مجلس النواب، أن الحسابات الختامية للدولة منذ عام 2022 لم تُرسل إلى الديوان حتى الآن، رغم أنها تمثل الأداة الأساسية لتدقيق الإنفاق العام ومعرفة أوجه الصرف الفعلية.
ويشير مختصون إلى أن استمرار تأخر الحسابات الختامية يضعف الرقابة المالية، ويجعل مناقشة الموازنات الجديدة تتم في ظل غياب تقييم دقيق لتنفيذ الموازنات السابقة، وهو ما يتعارض مع مبادئ الإدارة المالية الرشيدة ويحد من قدرة المؤسسات الرقابية على محاسبة المقصرين.
كما سجل التقرير استمرار التجاوز على التخصيصات المالية، وتراكم السلف، وعدم استيفاء الضرائب والغرامات، فضلاً عن وجود فروقات كبيرة في ضرائب الشركات النفطية، إلى جانب عدم استحصال ديون وأموال عامة بمليارات الدنانير، وهي ملاحظات تكررت في تقارير سابقة دون أن تشهد معالجة جذرية.
مخرجات الديوان.. أين تذهب؟
ورغم أن ديوان الرقابة المالية يصدر عدة تقارير سنوياً، فإن كثيراً من توصياته لا تجد طريقها إلى التنفيذ داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وبحسب مراقبين، أن الأزمة تكمن في ضعف إلزام الجهات التنفيذية بتنفيذ الملاحظات الرقابية، وغياب المتابعة البرلمانية والقضائية المستمرة، الأمر الذي يسمح بتكرار المخالفات نفسها عاماً بعد آخر.
ويعزز هذا الرأي ما كشفته وثائق الديوان بشأن ملف تهريب النفط عبر المياه الإقليمية، إذ أظهرت التقارير مخالفات تعاقدية وإدارية وأمنية رافقت عمل إحدى الشركات في عمليات المناقلة البحرية، إلى جانب تعطيل منظومة تتبع السفن، وعدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حينها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مصير الملاحظات الرقابية بعد توثيقها.
دور برلماني دون مستوى التحدي
ورغم أن قانون ديوان الرقابة المالية يربطه بمجلس النواب ويمنح البرلمان صلاحية متابعة تقاريره ومساءلة الجهات المقصرة، إلا أن مراقبين يرون أن المؤسسة التشريعية لم تستثمر هذه الصلاحيات بما يكفي.
فالنواب يناقشون تقارير الديوان بصورة دورية، لكن ذلك نادراً ما يفضي إلى محاسبة سياسية أو إدارية للمسؤولين عن المخالفات، أو إلى إجراءات رقابية مستمرة تضمن تنفيذ التوصيات.
ووصف رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تقرير ديوان الرقابة المالية بـ "المحبط"، متهماً الديوان بالاستخفاف والتستر على ملفات الفساد. جاء ذلك خلال جلسة استضافة رسمية طالب فيها بالكشف عن المليارات المفقودة، منتقداً بشدة اقتصار مخالفات وزارة النفط على 3 حالات فقط، في ظل غياب الرقابة الحقيقية
المشكلة في تعقب تقارير الديوان
في هذا الشأن، أكد عضو اللجنة القانونية النيابية، محمد الخفاجي، أن تحميل ديوان الرقابة المالية الاتحادي مسؤولية الإخفاق في محاربة الفساد أو محاسبة كبار الفاسدين يمثل تشخيصاً غير دقيق، مبيناً أن الديوان يؤدي دوره الرقابي من خلال توثيق المخالفات وحالات الهدر وشبهات الفساد في تقاريره، فيما تقع مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللاحقة على عاتق الجهات التنفيذية والرقابية والقضائية، إلى جانب مجلس النواب.
وقال الخفاجي لـ"طريق الشعب"، أن ديوان الرقابة المالية يعد من أعرق المؤسسات الرقابية في العراق، ولا يمكن مساءلته إلا إذا أخفق في إعداد تقاريره أو في تشخيص حالات الفساد، مؤكداً أن معظم ملفات الهدر المالي والمخالفات القانونية موثقة بالفعل في تقارير الديوان، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الإجراءات التي تعقب إصدار تلك التقارير.
وشدد على أن مجلس النواب مطالب بدعم الديوان وتوفير المستلزمات الكفيلة بتمكينه من أداء مهامه وتهيئة المستلزمات لانجاح عمله، لافتاً الى ان الخلل يكمن في الاجراءات التي تعقب التقرير، وهذا تتحمله الحكومة والجهات المتهمة بالفساد، وهذا ما لا يتحمله الديوان.
وأضاف أن قانون ديوان الرقابة المالية الاتحادي رقم (31) لسنة 2021 نص على ارتباط الديوان بمجلس النواب، وعلى تقديم تقاريره إليه، فضلاً عن إبلاغه بحالات عدم تعاون الوزارات والمحافظات والمؤسسات الحكومية التي تتأخر أو تمتنع عن تزويده بالوثائق والأوليات المطلوبة، بما يتيح للبرلمان اتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة.
وشدد الخفاجي على ان الفساد منظومة ويبدو كأنه يدار عبر مؤسسات، ومحاربته تتطلب وجود مؤسسات، واهم مؤسسة هو مجلس النواب المعني بتشكيل الحكومة وسحب الثقة من الوزير الفاسد نزولاً للمحافظين وغيرهم ومجلس النواب معني بذلك.
ولفت الى أن مجلس النواب يمتلك الأدوات الدستورية والتشريعية والرقابية لمساءلة المسؤولين، ويتحمل المسؤولية الكاملة والعبء الثقيل والاكبر في محاربة ومكافحة الفساد.
وختم بالقول أن ديوان الرقابة المالية يبقى أحد أهم الأذرع الرقابية التي يعتمد عليها البرلمان في كشف المخالفات وحماية المال العام.
هل واكب الديوان كل الملفات كما ينبغي؟
من جانبه، قال الأكاديمي والمراقب للشأن السياسي غالب الدعمي إن الديوان يتحمل جانباً من الإخفاقات التي شهدها الملف الرقابي في العراق، معتبراً أن بعض ملفات الفساد كان بالإمكان كشفها مبكراً لو أُنجزت أعمال التدقيق بالسرعة والكفاءة المطلوبتين.
واضاف الدعمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن تقارير الديوان تُعد تقارير نهائية وخاتمة، وتمتد رقابتها إلى مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها أداء مجلس النواب وسلوكيات بعض أعضائه وتدخلاتهم في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن من حق مجلس النواب متابعة أداء الديوان ومساءلته في حال وجود تقصير في تنفيذ واجباته.
وأضاف أن الديوان لم ينجز عمليات التدقيق لبعض الملفات خلال سنوات عديدة، الأمر الذي أسهم، بحسب رأيه، في عدم اكتشاف عدد كبير من حالات الفساد والسرقات، ولا سيما تلك المتعلقة بملفات التخمينات، متسائلاً عن أسباب عدم رصدها في وقت مبكر، وهو ما يجعله، من وجهة نظره، شريكاً في تحمل مسؤولية الإخفاق الرقابي.
وأكد أن مجلس النواب يتحمل بدوره جزءاً من مسؤولية المشهد القائم، مبيناً أن الفساد لم يرتبط بدورة نيابية واحدة، إنما يمتد عبر الدورات البرلمانية الست المتعاقبة، إلا أن ذلك لا يعفي ديوان الرقابة المالية من مسؤولياته بوصفه الجهة المختصة بتدقيق أعمال مؤسسات الدولة.
وبيّن الدعمي أن مهمة ديوان الرقابة المالية تتمثل في كشف المخالفات وتشخيصها وإحالتها إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها، سواء تعلقت بمخالفات إدارية أو جنح أو جرائم، معتبراً أن الديوان لم يؤدِّ هذا الدور بالمستوى المطلوب في عدد من الملفات.
ودعا إلى تعزيز قدرات ديوان الرقابة المالية بالموارد البشرية، من خلال الاستفادة من خبرات الموظفين الذين أُحيلوا إلى التقاعد في سن مبكرة والتعاقد معهم أو إيجاد آليات مناسبة لإعادتهم إلى العمل، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء الرقابي.
وشدد الدعمي على أهمية أن يباشر ديوان الرقابة المالية عمليات تدقيق جميع الملفات منذ بداية السنة المالية، وعدم تأخيرها، لضمان سرعة اكتشاف المخالفات ومعالجتها والحد من تفاقم ملفات الفساد.
كيف يمكن استعادة فاعلية الرقابة؟
ويرى مختصون أن مكافحة الفساد لا تتحقق بإصدار التقارير وحدها، وإنما بوجود سلسلة متكاملة تبدأ بالتدقيق، ثم الإحالة إلى القضاء، فالمساءلة البرلمانية، وتنتهي بتنفيذ العقوبات واسترداد الأموال العامة.
كما يؤكدون أن مجلس النواب مطالب بالانتقال من مرحلة مناقشة التقارير إلى مرحلة مراقبة تنفيذ توصياتها، عبر جداول زمنية واضحة، واستضافة الجهات المقصرة بصورة دورية، وربط إقرار الموازنات والحسابات الختامية بمدى الالتزام بالملاحظات الرقابية.
ويشيرون إلى أن استمرار تجاهل تقارير ديوان الرقابة المالية، وتأخر الحسابات الختامية، وتكرار المخالفات نفسها، يبعث برسالة سلبية مفادها أن كشف الفساد لا يعني بالضرورة محاسبة مرتكبيه، وهو ما يضعف ثقة المواطنين بجدوى المؤسسات الرقابية.