رغم الإمكانات الاقتصادية والموارد المالية التي يمتلكها العراق، ما تزال معدلات الفقر تشكل أحد التحديات التي تواجه البلاد، وسط انتقادات متواصلة لضعف السياسات الحكومية في معالجة جذور الأزمة.
ويؤكد مختصون ان الحد من الفقر يتطلب إصلاحات اقتصادية جادة، تبدأ بدعم القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي بالتوازي مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، محذرين من أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى تعميق التداعيات الاقتصادية والاجتماعية واتساع معاناة الشرائح الأكثر هشاشة.
ضرورة تدريب الشباب وتأهيلهم مهنيا
يقول الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري، إن أزمة الفقر لم تعد طارئة، بل باتت ملفاً مزمناً استنزف أكثر من عشرين عاماً من عمر البلاد، مشدداً على أن نسب الفقر الحقيقية التي تقترب من 35 في المائة تفرض على الجهات الحكومية تبني استراتيجية إنقاذية عاجلة تعتمد على "القطاع الخاص" كركيزة أساسية لاحتواء البطالة.
وفي هذا الصدد، يذكر الشمري لـ"طريق الشعب"، أن التوجه الحكومي يجب أن ينصب على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال منح القطاع الخاص قروضاً ميسرة بفوائد مخفضة تتراوح بين 1 إلى 3 في المائة، ومن ثم إقامة هذه المشاريع في المناطق الأكثر احتياجا، ما يسهم في خلق فرص عمل مباشرة للشباب.
وينتقد الشمري استمرار إيداع الأموال العراقية في مصارف أجنبية، داعياً إلى جلب هذه السيولة واستثمارها داخل البلاد، مطالبا في الوقت عينه بتوفير حماية قانونية وفعلية للمشاريع المحلية، مع تولي الدولة مسؤولية تدريب الشباب وتأهيلهم مهنيا في تخصصات اللحام، والصيانة والإلكترونيات ليكونوا قوة عاملة قادرة على تلبية متطلبات السوق.
ويوجه الشمري نداء لصناع القرار، لافتاً إلى أن العراق يصنف اليوم كـ"دولة شبابية" بامتياز لامتلاكه واحدة من أعلى نسب الشباب في العالم، ما يتطلب استثمار هذه الطاقة البشرية، وتحويلها إلى أداة للتنمية، مؤكدا أن الهدف الاستراتيجي يجب أن يتجه نحو تأسيس أكثر من 100 ألف معمل، لضمان استيعاب الطاقات الوطنية ووضع الاقتصاد الوطني على مسار التعافي المستدام.
ضعف الدعم الحكومي للإنتاج المحلي
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسن أن تفاقم معدلات الفقر يعود إلى تراكم سياسات حكومية لم تحقق فارقا في معالجة المشكلات الاقتصادية أو توفير بيئة داعمة للفئات الأكثر هشاشة.
ويقول حسن لـ"طريق الشعب"، إن الحكومات المتعاقبة بما فيها الحكومة الحالية لم تتمكن من وضع حلول جذرية لأزمة الفقر، معتبرا أن التركيز على مشاريع البنى التحتية، مثل الجسور والأنفاق ولا يكفي لمعالجة الأزمة المعيشية ما لم يترافق مع برامج اقتصادية واجتماعية تستهدف تحسين مستوى دخل المواطنين وتوفير فرص العمل.
ويضيف أن الحكومات ما زالت عاجزة عن تقديم الدعم الحقيقي للفقراء، بل إن سياساتها، بحسب وصفه، لا توفر الحماية اللازمة للقطاع الخاص الذي يعد أحد أهم المحركات القادرة على خلق فرص عمل والحد من البطالة والفقر.
ويرى أن ضعف الدعم الحكومي للاستثمار والإنتاج المحلي انعكس سلبا على قدرة السوق العراقية على استيعاب الأيدي العاملة. ويشير حسن إلى أن بعض التشريعات الخاصة بالضمان الاجتماعي تفرض أعباء مالية إضافية على أصحاب العمل والعاملين، وهو ما يحد، برأيه، من توسع القطاع الخاص ويضعف قدرته على التوظيف. وينتقد حسن آليات تنظيم سوق العمل، معتبرا أنها لا تمنح العامل العراقي الأولوية الكافية مقارنة بالعمالة الوافدة، مؤكدا أن العراق يمتلك إمكانات وموارد مالية كبيرة، إلا أن سوء الإدارة وغياب التخطيط الاقتصادي الفاعل حالا دون توظيفها في معالجة الفقر وتحسين الواقع المعيشي للمواطنين.
ويدعو المتحدث إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر كفاءة وعدالة في توزيع الموارد.
اثار نفسية واجتماعية
اما الباحث الاجتماعي أحمد الذهبي، فيرى أن الفقر لا يقتصر على كونه أزمة اقتصادية، بل يمتد ليترك اثارا نفسية واجتماعية تعيد تشكيل سلوك الأفراد ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى المجتمع.
ويقول الذهبي في حديث لـ"طريق الشعب"، إنه "حين يعجز الاقتصاد عن حماية الإنسان، يتكفّل القلق بإدارة سلوكه"، في إشارة إلى أن الأزمات الاقتصادية تكشف هشاشة الواقع الإنساني وتدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات تحكمها الحاجة أكثر من المبادئ.
ويضيف الذهبي، أن العراقيين يعيشون صراعا يوميا بين ضغوط المعيشة المتفاقمة، من بطالة وارتفاع في الأسعار وضعف الخدمات، وبين ثقافة اجتماعية ما زالت تنظر إلى طلب المساعدة بوصفه مصدرا للحرج أو الانتقاص.
ويؤكد أن هذا الصراع يدفع كثيرين إلى إخفاء معاناتهم الاقتصادية حفاظا على صورتهم الاجتماعية، رغم حاجتهم الفعلية إلى الدعم.
وبحسب الذهبي، فإن السنوات الأخيرة شهدت تناميا في ثقافة التكافل المجتمعي، ولا سيما بين فئة الشباب، إلى جانب تزايد تقبل الحديث عن الصعوبات الاقتصادية والنفسية باعتبارها واقعا يطال شرائح واسعة من المجتمع.
ويخلص الباحث إلى أن الأزمات التي مر بها العراق لم تحدث تحولا اقتصاديا فحسب، بل أعادت صياغة منظومة القيم الاجتماعية، إذ باتت الكرامة تقاس بقدرة الإنسان على الصمود والتكيّف وطلب الدعم عند الحاجة، أكثر من ارتباطها بإخفاء المعاناة أو المحافظة على صورة اجتماعية مثالية.