اخر الاخبار

العراق وحلم الأسطول البحري

في خضم مناقشة المشاكل المعقدة التي تواجهها الدول المنتجة للنفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، نشرت الصحف والمواقع الإعلامية العديد من الأفكار والدراسات، كان من بينها مقال لموقع "أمواج" البريطاني، تناول تزايد الزخم في العراق لإعادة بناء أسطول النقل البحري الوطني بعد عقود من الحرب والعقوبات وعدم الاستقرار.

تفاقم المشكلة

وأشار المقال إلى أن هذا الضعف اكتسب بُعدًا جديدًا هذا العام مع اندلاع الصراع الإقليمي، وإغلاق طهران فعليًا لمضيق هرمز، وهو الممر المائي الرئيس لصادرات العراق، الأمر الذي أدى لانخفاضها إلى نحو 10 ملايين برميل من النفط شهرياً، وهو ما مثّل انهياراً كارثياً مقارنةً بحوالي 93 مليون برميل من النفط شهرياً في العام السابق. فضلاً عن ارتفاع تكاليف الشحن في دول الخليج إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف مستوياتها قبل الحرب، حتى باتت شركات الشحن الأجنبية تجني أرباحًا طائلة من نقل النفط الخام العراقي. كما تسببت هذه الأزمة في ضغوط كبيرة على الموازنة.

وفي ظل ذلك، يسعى المسؤولون العراقيون بشكل عاجل إلى إيجاد وسائل جديدة لتقليل تكاليف التصدير التجارية مع تنويع طرق التصدير، لاسيما وأن التكلفة الأولية لبناء أسطول تُعدّ ضئيلة مقارنة بالفوائد الاستراتيجية لاستمرار تدفق الصادرات على متن سفن وطنية.

غير أن تحقيق المكاسب الحقيقية لأي انتعاش بحري يتطلب أكثر من مجرد شراء السفن. فلكي تتحول السفن الجديدة إلى مكسب سيادي واقتصادي، يجب على العراق حلّ معضلات استراتيجية وتنظيمية أعمق، تتمثل في تغيير آلية بيع نفطه، وإدارة الخدمات اللوجستية المعقدة لنقل النفط الخام، وتنويع بدائل خطوط الأنابيب. ومن دون هذه التحولات المتوازية، فإن ظهور الأعلام العراقية على ناقلات النفط العابرة للمضائق لا يغير سوى ملكية الشحنة، ولا يعالج مواطن الضعف

تراجع وتلكؤ متواصلان

وذكر المقال أن شركة ناقلات النفط العراقية المملوكة للدولة أُنشأت عام 1972، وبلغت ذروتها في أوائل الثمانينيات بأسطول حديث مكّون من 20 ناقلة تنقل النفط الخام إلى القارتين الأمريكيتين. إلا أن هذه القوة البحرية تضاءلت بفعل حرب الخليج عام 1991، وعقد من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، والتي شهدت غرق سفن عراقية أو مصادرتها أو تفكيكها. كما أدى الحظر الدولي واسع النطاق إلى شلّ حركة الأسطول التجاري للبلاد خلال تلك المرحلة، مما ترك القدرات التجارية والنفطية تعاني مزيداً من الإهمال. ولا يمتلك العراق اليوم سوى أربع ناقلات نفط مخصصة وست سفن تجارية، الأمر الذي دفع المراقبين إلى وصف جهود الإنعاش الحالية بأنها "خطوة جاءت متأخرة جدًا"، بعد أن تعثرت الوعود باستعادة العصر الذهبي البحري العراقي مرارًا وتكرارًا بسبب الجمود المؤسسي، وفشل المبادرات المتتالية في تحقيق انتعاش أوسع، بما في ذلك عدم تنفيذ عقد شراء سفن جديدة عام 2013 وصفقة شراء ناقلتي نفط من النرويج في عام 2020.

الأسطول الحكومي أجدى

وأشار المقال إلى أن وزارة النقل وافقت عام 2025 على خطط لشراء ما يصل إلى 15 سفينة تجارية جديدة، ممولة من مزيج من موازنة الدولة وقرض ياباني. كما جرى بحث إنشاء خط ملاحي مخصص بسعة 2000 حاوية، وعقود تشغيل مشتركة لعبّارات الركاب الإقليمية. وحقق العراق، بعد طول انتظار، تقدماً ملموساً نحو رفع الحظر الدولي المفروض على أسطول الشحن العراقي منذ عام 1991. وبالتزامن مع افتتاح ميناء الفاو الكبير، الذي يوفر قاعدة حديثة ومركزاً تجارياً إقليمياً، قد تتبلور أسس نهضة النقل البحري.

وذكر الموقع أن تجربة شركات حكومية، مثل شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) الإماراتية وشركة بحري السعودية، أثبتت أن شركات النقل المملوكة للدولة تحقق أرباحاً وتتمتع بأهمية استراتيجية بالغة. كما يمكن للعراق الاستفادة من تجارب دول الجوار في ربط أصوله البحرية بخطوط تصدير برية بديلة مصممة خصيصًا لتجاوز مضيق هرمز.

واختتم الموقع مقاله بالتأكيد على أن بغداد لا يمكن أن تعتمد على السفن وحدها، بل وأيضاً في حل مشاكل النقل البري مثل خط البصرة ـ حديثة وخط أنابيب كركوك - جيهان الشمالي. ومع ذلك، فإن امتلاك أسطول وطني يعد أحد أبرز الفرص المتاحة للاقتصاد العراقي، فمن خلال استرداد مئات الملايين من الدولارات التي تُدفع حاليًا لشركات الشحن الأجنبية، تستطيع بغداد استعادة القدرات البحرية التي كانت تتمتع بها البلاد في السابق. ولتحويل هذه السفن إلى قوة جيوسياسية حقيقية، يجب على بغداد إتقان عملية التنسيق. وهذا يتطلب أن تعيد شركة سومو هيكلة عقود مبيعاتها بما يضمن تحقيق هوامش ربح من عمليات الشحن، مع ربط الأسطول، في الوقت نفسه، بمسارات التصدير البرية.