اخر الاخبار

رغم تسجيل تراجع ملحوظ في عدد الحرائق خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن المخاطر المرتبطة بالتماسات الكهربائية، ورداءة المواد الكهربائية المتداولة، وضعف الالتزام بإجراءات السلامة ما تزال تشكل تحدياً كبيراً يهدد الأرواح والممتلكات ولا سيما مع تصاعد درجات الحرارة في فصل الصيف.

 ويرى مختصون، أن انخفاض الحوادث يعود إلى تشديد الرقابة والإجراءات الوقائية، لكنه لا يعني انتهاء أسباب الخطر، في ظل استمرار مظاهر الإهمال وضعف ثقافة الوقاية في العديد من المؤسسات والمنازل.

التماس الكهربائي أبرز الاسباب

من جهته، قال مدير قسم العلاقات والإعلام في مديرية الدفاع المدني العامة، نؤاس صباح، إن التماس الكهربائي لا يزال يتصدر أسباب اندلاع الحرائق في العراق، مشكلًا 48 في المائة من مجمل الحوادث، نتيجة تذبذب التيار الكهربائي وتداخل أسلاك المولدات الأهلية مع الشبكة الوطنية، فيما ترتفع معدلات الحرائق خلال فصل الصيف بسبب زيادة الأحمال الكهربائية وارتفاع درجات الحرارة.

واضاف صباح في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن فرق الدفاع المدني تمكنت منذ بداية العام من إنقاذ أموال وممتلكات تُقدَّر قيمتها بـ347 مليار دينار، شملت مبالغ نقدية ومواد مختلفة جرى إنقاذها قبل وصول النيران إليها. فيما تتولى وزارة الصحة إعلان الخسائر البشرية بوصفها الجهة المختصة.

وتابع أن أبرز المعوقات التي تواجه فرق الإطفاء تتمثل بالزخم المروري، وعدم إفساح الطريق لعجلات الدفاع المدني، والوقوف العشوائي، والأسلاك المتدلية في الأزقة، فضلًا عن تجمهر المواطنين في مواقع الحوادث، الأمر الذي يعرقل عمليات الإخماد والإنقاذ.

وأشار إلى أن المديرية تمتلك أسطولا من بين الأحدث عالميا في مجال عجلات الإطفاء التخصصية، ويضم اليات ألمانية وبريطانية وكورية جنوبية من طرازات 2025 و2026، صُنعت خصيصا للدفاع المدني، بما يعزز سرعة الاستجابة للحوادث.

وأوضح أن مديرية الدفاع المدني تنفذ خطة متكاملة للتعامل مع ذروة فصل الصيف، داعيا المواطنين إلى الالتزام بشروط السلامة، واقتناء مطفآت الحريق، وتجنب الإهمال والتحميل المفرط للشبكات الكهربائية.

ولفت إلى أن عدد الحرائق المسجلة خلال النصف الأول من عام 2026 انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة بالأعوام 2022 وما قبلها، عازيا ذلك إلى تعزيز إمكانات الدفاع المدني واتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحق المخالفين لشروط ومتطلبات السلامة.

تشديد إجراءات التفتيش والرقابة

من جانبه، قال حيدر نوري، متخصص بالسلامة المهنية، أن عدد الحرائق المسجلة خلال النصف الأول من العام الحالي انخفض مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مشيراً إلى أن العام الماضي كان كارثيا من حيث عدد الحوادث، إذ سجلت الأشهر الستة الأولى منه نحو ثلاثة آلاف حريق وأكثر، في حين بلغ عدد الحرائق المسجلة خلال النصف الأول من العام الحالي نحو ألف وستمائة حريق تقريباً، بينها حرائق كبيرة.

واضاف نوري، أن هذا التراجع يعود إلى جملة أسباب، في مقدمتها الإجراءات التفتيشية والرقابية التي جرى تشديدها خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب المحاسبة والحث على تطبيق شروط السلامة في الدوائر والمؤسسات، مردفا أن بعض الجهات لا تزال تتعامل مع ملف السلامة بوصفه إجراء شكليا، يقتصر على تنفيذ مناورات بسيطة أو تصوير نشاطات محدودة، مثل عرض مطافئ الحريق أو تسجيل مقاطع توضيحية عن آليات الاستجابة، من دون أن يقترن ذلك بإجراءات حقيقية وجادة على الأرض.

وبين أن بعض الدوائر اتخذت بالفعل إجراءات أفضل من العام الماضي، وهو ما أسهم في خفض عدد الحرائق، إلا أن هذه الإجراءات ما تزال دون المستوى المطلوب.

وزاد بالقول: أن من بين الأسباب الأخرى التي أسهمت في تقليل عدد الحوادث هذا العام، تأخر موجات الحر الشديد مقارنة بالعام الماضي، إذ شهد الصيف الماضي ارتفاعاً مبكراً في درجات الحرارة، بينما تأخر هذا الارتفاع نسبياً هذا العام، ما انعكس بشكل مباشر على عدد الحرائق المسجلة.

رداءة المواد الكهربائية المستوردة

وفي ما يتعلق بالأسباب الرئيسة لاندلاع الحرائق، شدد نوري على أن العامل الأبرز يتمثل في رداءة المنتجات والمواد الكهربائية المتداولة في الأسواق المحلية، مبيناً أن كثيراً من الأجهزة والأسلاك والمستلزمات الكهربائية تدخل إلى العراق من دون رقابة كافية، وأن نسبة كبيرة منها عبارة عن مواد مقلدة أو منخفضة الجودة.

وأشار إلى أن المواطنين غالباً ما يلجؤون إلى شراء هذه المنتجات لرخص أسعارها، لكنها لا تتحمل درجات الحرارة العالية أو الضغط الكهربائي، ما يجعلها سبباً مباشراً في اندلاع الحرائق.

كما أشار إلى ضعف ثقافة الوقاية المجتمعية، موضحاً أن البلاد ما تزال بحاجة إلى حملة توعية واسعة ومستمرة لتعريف المواطنين بكيفية التعامل مع الحرائق، وسبل حماية أنفسهم وممتلكاتهم قبل وقوع الحادث، فضلا عن أهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية داخل المنازل والمحلات التجارية ومواقع العمل، مثل التأكد من وجود مطافئ حريق صالحة للاستخدام، وإجراء الصيانة الدورية لها، ومتابعة جاهزيتها بشكل منتظم.

وأضاف أن كل دائرة ومؤسسة في الدولة تضم قسما للدفاع المدني أو جهة معنية بالسلامة، غير أن أداء هذه الأقسام يختلف من مكان إلى آخر؛ فبعضها يؤدي دوراً شكلياً وروتينياً، في حين يخضع بعضها الآخر لرقابة ومتابعة أفضل. ورأى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التشدد الكافي في الرقابة والمحاسبة، مبيناً أن ما بين 70 إلى 80 في المائة من دوائر الدولة لا تزال تعاني من حالة من العشوائية، سواء في التخزين أو في تراكم المواد والمخلفات القابلة للاشتعال، الأمر الذي يجعلها عرضة في أي لحظة لاندلاع حرائق قد تتسبب بكوارث كبيرة.

وتابع نوري حديثه بالتأكيد على أن مستوى الرقابة والمحاسبة هذا العام أفضل من العام الماضي، لكنه ما يزال غير كافٍ، مشدداً على أن الحد من الحرائق يتطلب رقابة أكثر صرامة، ومحاسبة فعلية، وتطبيقاً حقيقياً لا شكلياً لمعايير السلامة، إلى جانب معالجة فوضى الأسواق والمنتجات الكهربائية الرديئة، وتعزيز الوعي الوقائي لدى المواطنين والمؤسسات على حد سواء.