اخر الاخبار

يواجه المشهد السياسي في العراق حالة من التعقيد المتصاعد، نتيجة تراكم خلافات داخلية بين القوى المتحكمة في إدارة السلطة، تطورت من تباينات غير معلنة إلى انقسامات أكثر وضوحاً وانكشافاً في الساحة العامة.

ويأتي ذلك في سياق منظومة سياسية ترتكز على المحاصصة والتوازنات بين أطراف وقوى تتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل أي اهتزاز في هذه التوازنات عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في أداء الحكومة واستقرارها.

تأثيرات داخلية وخارجية

وفي ظل هذا الواقع، تتداخل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية، لتزيد من حساسية المرحلة، خصوصاً مع ارتباط إدارة الدولة بآليات توزيع النفوذ والموارد داخل الوزارات والمؤسسات التنفيذية.

كما يبرز تأثير البيئة الإقليمية والدولية بوصفه عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل عملية اتخاذ القرار الحكومي أكثر تشابكاً.

وبين تباينات الداخل وضغوط الخارج، تقع الحكومة أمام معادلة حساسة تتداخل فيها الموازنة بين متطلبات ما يسمى "التوافق السياسي" من جهة، وضغوط تنفيذ البرنامج الحكومي من جهة أخرى، في بيئة تتسم بتصاعد التحديات وتعدد مراكز القرار.

استمرار الارتهان

وفي هذا الخصوص بيّن الرفيق حسين النجار عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي إن الأزمة السياسية المتفاقمة في البلاد هي تعبير واضح عن أزمة بنيوية تعيشها منظومة المحاصصة الطائفية ــ الإثنية، وكان نتاجها دولة ضعيفة خاضعة لتقاسم النفوذ والمصالح، بدلاً من بناء مؤسسات وطنية تستند إلى المواطنة والعدالة الاجتماعية.

وأضاف النجار: لقد أثبتت التجربة أن القوى المتنفذة، المنخرطة في صراع دائم على السلطة والثروة، عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لأزمات الشعب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، لأن جوهرها قائم على حماية الامتيازات وإدامة الريع والفساد، وليس على التنمية والإنتاج وبناء اقتصاد وطني مستقل.

ولفت الى ان ما حصل من عدم تمرير عدد من الوزراء، ولاحقاً الانقسام والخلاف بين قوى الاطار التنسيقي وكذلك بقية القوى المتنفذة، ليست له علاقة بمصالح الناس وطموحاتهم، فلقد ظهر ان جوهر الخلاف عدد المناصب التي يريدها هذا الحزب او ذاك، ونوعية هذه المناصب والفائدة التي سيجنيها، في ظل استمرار تهميش الارادة الشعبية وقواها المنتجة من عمال وفلاحين وكادحين وشباب.

وأضاف: ان "القوى التي أفرغت خزينة الدولة، وأثقلت كاهلها بالديون الداخلية والخارجية، وحوّلت الانتخابات إلى سوق لبيع وشراء أصوات الناخبين، وسمحت للسلاح المنفلت بالتمدد، ومكّنت مالكيه من القفز إلى مجلس النواب، ووفّرت مستلزمات استباحة الأراضي والأجواء العراقية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، غيرُ قادرةٍ على التصدي حتى لأبسط مفردات الأزمة البنيوية التي تجتاح العراق".

وتابع النجار في حديثه مع "طريق الشعب"، ان " هذه القوى تسعى إلى تحويل الدولة إلى رهينة بيدها لتأمين مصالحها الضيقة دون أي اكتراث بهموم ومعاناة الشعب العراقي، ولزاما عليه فإن هذه الحكومة السائرة على نفس نهج الحكومات السابقة لن يكتب لها النجاح بل ستزيد من تدهور الاوضاع العامة وسيتحول العراق الى رهينة بيد سلطة لا علاقة لها بالشأن الوطني والديمقراطي"

تداعيات تعمق الانقسام

من جهته، يقول حاتم حطاب، امين عام حزب التجمع الجمهوري، أن الانقسام داخل قوى الإطار التنسيقي لم يعد محصوراً داخل الغرف المغلقة، انما بات علنياً ويتخذ طابعاً تصاعدياً قد ينعكس على أداء الحكومة الحالية واستقرارها، مردفا أن الخلافات الراهنة لا تقتصر على المكوّن الشيعي، بل تمتد إلى البيتَين الكردي والسني أيضاً.

ويضيف حطاب لـ"طريق الشعب"، ان الحكومة الحالية تشكّلت في ظل حالة واضحة من التباين والانقسام بين القوى السياسية الداعمة لها، إلا أن هذه الخلافات كانت تُدار سابقاً بشكل غير معلن، بينما باتت اليوم أكثر وضوحاً أمام الرأي العام، بين أطراف مؤثرة داخل الإطار التنسيقي.

ويشير إلى أن المشكلة تكمن في ان جوهر هذه الخلافات لا يرتبط بالمشروع السياسي للدولة أو رؤية بناء النظام وتبني خطط واستراتيجيات، وإنما يدور في معظمه حول "مصالح شخصية وفئوية ضيقة"، تتعلق بتوزيع النفوذ والمكاسب داخل منظومة الحكم، وهو ما ينعكس سلباً على طبيعة الاستقرار السياسي.

وفي ما يتعلق بانعكاس هذه الانقسامات على الحكومة، يعتقد حطاب أن التأثير يرتبط بمدى قدرة رئيس الوزراء على إدارة التوازنات المعقدة بين القوى السياسية، لافتاً إلى أن اختيار رئيس الحكومة جاء هذه المرة في سياق توافقات غير مسبوقة رغم التناقضات الحادة بين الأطراف المتحاصصة.

ويجد ان ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي هو الاعتراضات الدولية، وتحديداً من الجانب الأمريكي، على بعض القوى السياسية التي تمتلك اجنحة مسلحة، مبيناً أن واشنطن وضعت شروطاً واضحة تم عرضها على السوداني قبل تكليف الزيدي، وتتعلق بإبعاد هذه القوى عن التشكيلة الحكومية الجديدة أو تقليص نفوذها.

ويرى حطاب أن مستقبل الحكومة مرتبط بقدرتها على التعامل مع هذه الاشتراطات الخارجية والتباينات الداخلية في آن واحد، وامتلاكها الإرادة والقدرة على حسم ملف السلاح خارج الدولة وإعادة ضبط التوازن السياسي بشكل لا يدفع للتصعيد.

وخلص الى القول إن المرحلة المقبلة قد لا تكون سهلة على الحكومة، في ظل استمرار التشابك بين الداخل المنقسم والضغوط الدولية، ما يجعل المشهد السياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة تتوقف على طبيعة القرارات التي ستُتخذ لاحقاً.

مشهد معقد وتناقضات حادة

واكد الأمين العام لحزب الريادة طارق اللهيبي، أن الخلافات القائمة بين القوى السياسية المتنفذة ليست جديدة، لكنها باتت أكثر وضوحاً أمام الشارع العراقي.

ولا يستبعد ان تنعكس هذه الخلافات في حال تعمقها اكثر على اداء الحكومة، ما يضع في طريقها العديد من العثرات.

وقال اللهيبي لـ"طريق الشعب"، إن بعض القوى التي تواجه فيتو امريكيا بسبب امتلاكها أجنحة مسلحة، لن تتخلى بسهولة عن مكتسباتها أو سلاحها، في حين أن البرنامج الحكومي تضمن بشكل واضح منع السلاح خارج سلطة الدولة، ويأمل ان تلتزم الحكومة بتنفيذ هذه الالتزامات.

وفي هذا الصدد، قال ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في معهد تشاثام هاوس للدراسات في لندن ان "الزيدي عالق بين قوتين خارجيتين هما الولايات المتحدة وإيران، وفي الوقت نفسه عليه بناء حكومة واختيار وزراء يحظون بقبول الطرفين الخارجيين، وكذلك القوى السياسية العراقية الداخلية".

وأضاف "لهذا السبب هناك الكثير من التعقيدات هذه المرة التي تعرقل الانسيابية الكاملة لعمل الحكومة".

صورة دولية مهزوزة

علي الجاف، الصحفي والناشط المدني، يقول من جانبه أن الأزمة السياسية داخل الإطار التنسيقي، ترتبط بطبيعة اهداف هذه القوى الرامية للوصول إلى البرلمان ثم التفاوض على الحصص.

ويضيف الجاف في حديثه لـ"طريق الشعب"، ان هذه المعادلة أدت إلى تحول الوزارات مثلاً إلى مراكز نفوذ اقتصادي، يتم من خلالها توزيع المشاريع والمناقصات وإدارة الموارد، ما أفرز – على حد قوله – شبكات مصالح مالية وسياسية ساهمت في تعميق الفساد وتضخم الإنفاق في الدورات الانتخابية السابقة.

ويشير إلى أن جوهر الإشكال يتمثل في الصراع على الوزارات والمناصب العليا داخل الدولة، مثل الوكلاء والمديرين العامين، مشيراً إلى أن هذا النمط من التقاسم السياسي يجعل الحكومات غير خاضعة للمحاسبة بشكل كامل، بسبب تمسك كل طرف بما حصل عليه من مواقع نفوذ.

وبشأن ملف السلاح خارج الدولة، يجده الجاف أنه العامل الأكثر تأثيراً على مستقبل الحكومة، مرجحاً أن تكون أية محاولة لحصر السلاح تضع العراق أمام خيارين: إما الإبقاء على الوضع القائم وما يرافقه من ضغوط وعقوبات دولية محتملة، أو الذهاب نحو مواجهة قد تنعكس بتوترات داخلية خطيرة.

ويوضح أن تجربة التفاوض مع الفصائل المسلحة باتت، بحسب رأيه، محدودة الجدوى في ظل ترسخ نفوذ هذه الجماعات وارتباطها بعلاقات إقليمية، لافتاً إلى أن أي حل يتطلب مقاربة أكثر حزماً من قبل الدولة.

ولا يستبعد الجاف أن تواجه الحكومة الحالية تحديات متصاعدة مع مرور الوقت، رغم أنها بدأت بحالة "هدوء سياسي"، مرجحاً تحول الخلافات إلى حملات سياسية واسعة وربما محاولات لإضعاف الحكومة لاحقاً، في ظل تراكم الملفات الاقتصادية والخدمية غير المحسومة.

ويحتمل الجاف أن تواجه الحكومة تحدياً إضافياً يتمثل في ضعف الثقة الدولية، لانه يعتقد أن صورة العراق الخارجية ما تزال مرتبطة بالنفوذ الإقليمي، ما يجعل تعامل المجتمع الدولي مع الحكومة الجديدة حذراً واختبارياً، بانتظار ما ستقدمه من سياسات فعلية.

وكان الزيدي اعلن، عقب نيله الثقة، أن حكومته «ماضية بعزم لتحقيق تطلّعات الشعب العراقي»، مؤكداً أن «طريق الإصلاح يبدأ من الداخل في مواجهة الفساد والترهّل الإداري»، كما شدد على «إصلاح المنظومة الأمنية عبر حصر السلاح بيد الدولة».

ودعا البعثات الدبلوماسية إلى العودة إلى عملها في بغداد، في رسالة أراد منها إظهار الانفتاح على «المجتمع الدولي». لكن التحدّي الأخطر أمام الحكومة الجديدة قد يكون اقتصادياً، في ظلّ أزمة مالية خانقة، واعتماد شبه كامل على عائدات النفط، بالتزامن مع اضطرابات إقليمية تهدّد استقرار أسواق الطاقة وخطوط الإمداد. ويواجه الزيدي ضغوطاً لتأمين الرواتب وتمويل الموازنة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توتّرات محتملة جديدة في الخليج ومضيق هرمز.