في مشهدٍ ثقافي يستعيد ذاكرة الإبداع العراقي ويحتفي برموزه الحيّة، يبرز اسم ناظم السماوي بوصفه أحد أهم الأصوات التي شكّلت ملامح الشعر الشعبي الحديث، ورافقت تحولات العراق السياسية والاجتماعية على مدى عقود طويلة. فالسماوي ليس مجرد شاعرا، وانما هو مشروع إنساني وثقافي، تداخلت فيه التجربة الشعرية مع النضال الوطني، وتجلّت عبره معاني الانتماء والحرية والعدالة.
من مدينته السماوة، مروراً بتجربة الاعتقال في سجن نقرة السلمان، وصولاً إلى حضوره المؤثر في الأغنية العراقية، استطاع السماوي أن يصوغ لغة خاصة به، تجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، لتصل إلى وجدان الناس وتستقر في ذاكرتهم. وعلى امتداد مسيرته، ظل وفياً لقيمه، منحازاً للإنسان وقضاياه، ومواصلاً عطاءه الإبداعي بروحٍ لا تعرف الانقطاع.
حفل حاشد احتفاءْ به
ففي احتفالٍ ثقافي واسع أقامه الحزب الشيوعي العراقي في قاعة "منتدى بيتنا الثقافي" ببغداد، وخُصص لتكريم الشاعر ناظم السماوي واستعادة جانبٍ مهم من تجربته في الشعر الشعبي العراقي، اجتمع عدد كبير من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، في جلسة أدارها الباحث عادل العرداوي، وشهدت تقديم شهادات نقدية وإنسانية حاولت الإحاطة بمسيرة السماوي الطويلة، وما تمثّله من حضور مؤثر في المشهد الثقافي العراقي.
في مستهل الجلسة، رحّب العرداوي بالحضور، وبأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، وبالأدباء والمثقفين ورواد المجالس الثقافية البغدادية، مشيراً إلى أن انعقاد هذه الفعالية في “بيتِنا الثقافي” يأتي في سياق الدور المتواصل الذي يضطلع به هذا الفضاء بوصفه واحداً من أبرز المنتديات الثقافية في بغداد، مؤكداً استمراريته بالعطاء دون انقطاع.
واستعاد العرداوي ذكرياته الشخصية في هذا المكان، مستذكراً جلسات سابقة أدارها قبل سنوات مع الشاعر الراحل كاظم الرويعي، وأخرى مع الشاعر الراحل عريان السيد خلف، وكذلك جلسة مع المحتفى به ناظم السماوي قبل أكثر من عقد، لافتاً إلى أن هذا اللقاء يتجدد اليوم في مناسبة مرور اثنتين وتسعين سنة على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الذي يُعد أقدم حزب سياسي عراقي قائم حتى الآن.
ووصف العرداوي ناظم السماوي بأنه واحد من أعلام الشعر في العراق، ومن أبرز وجوه الحركة الثقافية، فضلاً عن كونه أحد أعلام الأغنية العراقية، ومناضلاً مرموقاً، مؤكداً أن الحديث عنه يفتح أبواباً متعددة تبدأ من مدينته السماوة، مروراً بتجربته في سجن نقرة السلمان، وصولاً إلى حضوره في الغناء والشعر والأخلاق العالية التي يتميز بها. واستعاد تجربة زيارتهما المشتركة إلى نقرة السلمان قبل عام، حين رافقه السماوي مع وفد زار السجن، وأمضوا يومين في محافظة المثنى. وكان الشاعر يستعيد تفاصيل حياته هناك، مشيراً إلى أماكن نومه وأماكن رفاقه من الشعراء والمناضلين، مثل مظفر النواب والفريد السمعان، في مشهدٍ إنساني مؤثر يعكس قسوة التجربة وعمقها.
وتوقف العرداوي أيضا عند أغنية “يا حريمة”، واصفاً إياها بأنها أيقونة في الغناء العراقي، كُتبت بلغة رقيقة ومفردات مؤثرة، ولدت من رحم تجربة نقرة السلمان في سبعينيات القرن الماضي، ولحنها الموسيقار الراحل محمد جواد أموري، وظلت حاضرة في الذاكرة العراقية حتى اليوم
ستة عقود من النضال والجمال
بعد ذلك، ألقى الرفيق مفيد الجزائري كلمة عن الشاعر السماوي وعن احتفال الشيوعيين به ومغزى تكريمهم له ( نص الكلمة في مكان آخر من هذه الصفحة).
تجديد اللغة الشعرية
عقب ذلك، قُدمت ثلاث شهادات رئيسية، بدأت بشهادة الدكتور علي حداد، الذي أشار إلى أن الحديث عن تجربة ناظم السماوي الممتدة لسبعين عاماً يكاد يكون مهمة صعبة، لما تنطوي عليه من ثراء وتنوع على المستويات الإنسانية والسياسية والثقافية والإبداعية.
وقال حداد أن الشعر الشعبي العراقي تشكّل ضمن منظومة ثقافية يسارية، لعبت دوراً محورياً في إنتاج هذا النوع من الإبداع، وأن نسبة كبيرة من هذا المنجز تعود إلى شعراء يساريين، لا سيما أولئك الذين قدموا من جنوب العراق وأسهموا في تجديد اللغة الشعرية.
وأضاف حداد أن هؤلاء الشعراء أحدثوا تحولاً في الذائقة الشعرية، من خلال إدخال مفردات جديدة ووعي مختلف، وهو ما انعكس أيضاً على الأغنية العراقية، التي شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً على مستوى البناء والأداء.
وأكد أن السماوي يمثل جزءاً أساسياً من هذا التحول، مشيراً إلى أن إنتاجه الغنائي الكبير، الذي يُقدّر بنحو 800 أغنية، يعكس مكانته المتميزة في هذا المجال.
وتحدث حداد عن البعد الحداثي في تجربة السماوي، معتبراً أنه امتداد لتيار شعري أسهم فيه شعراء كبار مثل مظفر النواب، حيث انتقلت الشعرية الشعبية إلى آفاق الحداثة، مع الحفاظ على خصوصية كل شاعر. ولفت إلى أن السماوي يتميز بأسلوب “السهل الممتنع”، حيث تبدو قصائده بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل عمقاً دلالياً كبيراً، كما أنها تمتلك إيقاعاً داخلياً يجعلها جاهزة للتلحين.
وأشار إلى البعد الإنساني في شخصية السماوي، واصفاً إياه بأنه شاعر متصالح مع ذاته، قريب من الناس، يمتلك طاقة كبيرة من العطاء، وهو ما انعكس في حضوره الثقافي ومشاركاته المتعددة، فضلاً عن تجربته الإذاعية التي أسهمت في دعم الشعراء الشباب والتعريف بالتراث الشعبي.
السماوي نقطة تحول في الشعر
في الشهادة الثانية، تناول الروائي صادق الجمل تجربة السماوي بوصفها نقطة تحول في الشعر العراقي، مشيراً إلى دوره في إصدار ديوان “يا حريمة”، الذي استغرق العمل عليه أشهراً طويلة، وهو يضم نحو 130 قصيدة تعكس تحولات العراق السياسية والاجتماعية.
وأكد أن هذا الديوان يمثل وثيقة ثقافية وسياسية، تكشف عن قدرة السماوي على توظيف الرموز والتضمين في بناء نصوصه.
وأوضح الجمل أن السماوي اعتمد على الترميز واستحضار عناصر من التاريخ والتراث، مثل الفرات ونخيل السماوة والأندلس، إلى جانب شخصيات دينية مثل الإمام علي، بوصفها رموزاً للعدالة، ما منح نصوصه أبعاداً دلالية متعددة.
وأكد أن شعره لم يكن تعبيراً عن الذات فقط، بل كان تعبيراً عن المجتمع والإنسان البسيط، وعن القضايا الوطنية الكبرى.
واستعاد الجمل أيضا لحظة مؤثرة جمعتهما بالشاعر مظفر النواب في أيامه الأخيرة، حين التقى به السماوي في الإمارات، في مشهد يعكس عمق العلاقة بين رموز الشعر العراقي.
كيف تشكلت هويته الإبداعية؟
أما الشهادة الثالثة، فقدمها الأديب والإعلامي محمد محسن، وقد ركزت على الجانب الإنساني والإبداعي في شخصية السماوي، مشيراً إلى تواضعه وابتعاده عن النزعة الاستعراضية، وقدرته على كتابة نصوص تتسم بانسيابية عالية.
واستعاد أول لقاء جمعه به في مكتب الشاعر الراحل عريان السيد خلف، خلال الإعداد لبرنامج تلفزيوني، حيث لاحظ حضوره الهادئ وطريقته التي تشبه “حالة ولادة القصيدة” أثناء الحديث.
وأشار محسن إلى أن السماوي خاض تجارب متعددة، من الشعر إلى الغناء وحتى التمثيل، لافتاً إلى تأثره بالبيئة البغدادية واحتكاكه برموزها الفنية، ما أسهم في تشكيل هويته الإبداعية. كما توقف عند مشهد مؤثر من تشييع عريان السيد خلف، حيث كان السماوي يحمل صورة رفيقه بملامح حزينة، في صورة جسدت عمق العلاقة الإنسانية بينهما.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن تجربة ناظم السماوي تمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة الثقافية العراقية، وأن استعادتها اليوم تأتي في سياق توثيق مسار طويل من التحولات التي شهدها الشعر الشعبي، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير عن المجتمع العراقي، بما يحمله من تداخل بين الإبداع والواقع، وبين اللغة والهوية، وبين التجربة الفردية والوجدان الجمعي.
وفي نهاية الحفل، قدم الرفيق رائد فهمي باقة ورد وشهادة تقدير للشاعر الرفيق ناظم السماوي.
ناظم السماوي.. مسيرة الجمال والنضال
مفيد الجزائري
عندما نُحيي نحن الشيوعيين عيد حزبنا، نحتفل عادةً بالشعر والأدب والفن والفكر والابداع .. بالثقافة.
تحفزنا على ذلك دوافع متنوعة، ليس آخرَها واقعُ ان الفكر الشيوعي، ومن ثم الحزبَ الشيوعي كتنظيم ثوري، هما ذاتَهما من ثمار الثقافة، نتاجٌ طبيعي لتطور الثقافة الانسانية والفكر العلمي. وهما لا يعيشان ولا يتطوران بمعزل عن الثقافة وفي غيابها.
وعندما نحتفل بالثقافة، نحتفي بمنتجيها مثلما نحتفي بنتاجاتها، بمبدعيها كما بثمار ابداعهم.
وما جلستنا اليوم هنا، وفي مناسبة الذكرى السنوية الثانية بعد التسعين لتأسيس حزبنا، احتفاءً برفيقنا العزيز الشاعر ناظم السماوي .. ما هي الا تجسيد لما نقول.
وليست هذه - كما تعلمون - اول مرة نحتفل فيها، نحن في الحزب الشيوعي، برفيقنا ناظم السماوي، سواء هنا في بغداد، او في مدن وحواضر محافظاتنا العراقية الاخرى.
ولا هي اول مناسبة او مهرجان للشعر الشعبي نحتضنه فيه، سويّة مع غيرنا من العراقيين محبي شعره وحافظيه، شيوعيين وغير شيوعيين، في شتى ارجاء الوطن.
وقد يكون أبو اوراس وحدَه من يعرف عدد المرات، التي احتفلنا فيها به شاعرا مناضلا، لا ينفصل عنده قول الشعر عن قضية الشعب والوطن، ولا يتوهج الابداع الشعري، في محطات ومنعطفات كثيرة، بعيدا عن فضاءات الكفاح والتضحية من اجل العراق وناسه الطيبين. وفي هذا السياق لا ننسى هوساته، الحاضرة دوما حين يحضر الغضب الساطع على الظلم والقمع والقهر. ولكن قبل الهوسة والشعر ومعهما، لا ننسى بحال ناظم السماوي الناشط في العمل السري، والسجين السياسي نزيل نكرة السلمان، رفيق النضال الدائب في سبيل الشعب والوطن.
على صعيد آخر يعرف العديد منكم ومن متابعي أبو اوراس عامةً، ومن المعنيين بالموسيقى والغناء، ما يعرفه هو قبلكم وقبلهم، عن شعره الغنائي، وكم من قصائده تسابق عليها الملحنون، وغناها المطربون، وبعضها كان من أجمل وأعذب ما تمتع العراقيون بسماعه، في العقود الماضية .. وحتى اليوم.
قبل ستة عقود ونيّف، انطلق ناظم في مسيرته المنيرة، مسيرة الجمال والنضال والحياة، مسيرة الأمل المتجدد، والكلمة المتوهجة المكافحة من أجل الوطن والناس، في سبيل الحرية والعدالة والخير والسلام. انطلق، ولم يكفّ، وما زال يحمل قضيته السامية .. محلقا في عوالم الجمال والنضال، فتيّا لا يشيخ.
جميلَ السلام أبا اوراس من رفيقاتك ورفاقك، ومن محبيك المنتشرين في ربوع العراق العزيز.
وخالصَ التمنيات لك بطول العمر وسخيّ العطاء.
