العراق.. السير بين الألغام
لمجلة (الشؤون الخارجية) كتب ريناد منصور مقالًا أشار فيه إلى أن الحرب ضد إيران أشعلت أحد كوابيس الشرق الأوسط المقلقة، والمتمثل بحرب إقليمية شاملة، إضافةً إلى ما ينذر به توسع الصراع من عواقب وخيمة على العراق، جارَة إيران الغربية.
وذكر المقال أن العراق، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تجنب التورط في الاضطرابات التي أعقبت السابع من تشرين الأول 2023، رغم علاقاته الوثيقة مع طهران، وذلك لتعاون العاصمتين في السيطرة على القوى المسلحة ذات النفوذ المتنامي في جميع مفاصل الدولة منذ القضاء على داعش، إدراكًا منهما لضرورة عدم تعريض استقرار العراق النسبي للخطر، وحماية المكاسب الاقتصادية والأمنية التي يحققها هذا الاستقرار.
محاصرون
وذكر الكاتب أن العراق شكّل دومًا منطقة عازلة أمنية بالغة الأهمية، تحمي الجبهة الغربية لإيران من التهديدات العابرة للحدود، كما يُعد شريان حياة اقتصاديًا لها عبر تسهيل حصولها على الدولار أو تقليل ضغوط العقوبات الأمريكية عليها، لا سيما في مجال النفط والغاز. ولهذا حرصت طهران على بقاء العراق خارج ساحة صراعها مع الولايات المتحدة. إلا أن هذا التقييد قد تآكل الآن، حيث تُعيد طهران توجيه استراتيجيتها من التركيز على الحفاظ على الوضع الراهن - الذي يعتبره العديد من المسؤولين الإيرانيين فاشلًا- إلى خوض ما تعتبره صراعًا وجوديًا. وهذا يعني المزيد من الضربات على أهداف أمريكية في العراق. ورغم أن بعض الفصائل العراقية، حسب المقال، ترى بأن توسع الصراع يضر بمصالحها، فإن فصائل أخرى ذات التزامات أيديولوجية وأمنية واقتصادية مختلفة ترى عكس ذلك، فيما تظهر حكومة بغداد عجزًا واضحًا عن التحكم في الأوضاع، لدرجة يتزايد معها خطر اندلاع صراع داخلي أعمق في البلاد.
مأزق اقتصادي خطير
وعلى الصعيد الاقتصادي، وجد الكاتب أن العراق شديد التأثر بتداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد، فاستقرار البلاد المالي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، التي تمثل أكثر من 90 في المائة من إيرادات الحكومة، وتُموّل القطاع العام الذي يُعد من أكبر القطاعات في الشرق الأوسط. ويُشكل أي خلل في إنتاج النفط أو البنية التحتية للتصدير أو خطوط الملاحة في مضيق هرمز مخاطر مباشرة على قدرة الدولة العراقية على دفع الرواتب، والحفاظ على الخدمات العامة، وكبح جماح السخط الشعبي، الذي ما زال يظهر في احتجاجات صغيرة مستمرة، غالبًا ما تقودها فئات مهنية محددة أو مجتمعات محلية، في ظل نمو سكاني سريع للغاية، وارتفاع معدلات البطالة، ودخول أفواج من الشباب سنويًا إلى سوق العمل بأعداد تفوق بكثير الفرص المتاحة في القطاع الخاص أو قدرة القطاع العام على التوظيف.
وإضافةً إلى ما يسببه إغلاق مضيق هرمز من صعوبات اقتصادية للعراق، فإن تراجع استقراره سيؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين به من جديد، خاصة شركات الطاقة العالمية الكبرى، بعد أن كاد العراق أن يستعيدها إثر تحجيمه الكبير للإرهاب وتحقيقه قدرًا من الاستقرار.
ورأى الكاتب أن المشاكل الاقتصادية في بغداد لا تقتصر على الطاقة فحسب؛ فالعراق يعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية التي تدخل عبر حدوده مع إيران أو من خلال موانئه الجنوبية المطلة على الخليج العربي. وقد أدت الفوضى الناجمة عن الحرب بالفعل إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة الضغط على الدينار العراقي وارتفاع أسعار الوقود وانقطاع إمدادات الطاقة. وقد تُعيد كل هذه الضغوط لإشعال الاضطرابات التي أثارتها مظالم اجتماعية واقتصادية مماثلة خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع ليُقمعوا بعنف.
بلاد بلا حكومة
وتحدث المقال عن استمرار الخلاف الحاد حول تشكيل الحكومة، مما ترك الحكم في يد حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، في ظل أزمة إقليمية متصاعدة، وحاجة ماسة لحماية بنيته التحتية الحيوية وسكانه من ويلات الحرب. وفيما يؤدي الصراع والفراغ السياسي إلى توتر العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، يوسع النقاشات داخل الطبقة السياسية حول علاقة البلاد بإيران.
ما العمل؟!
وخلص الكاتب إلى الإشارة إلى أن الحرب وضعت العراق في وضع أكثر صعوبة مما كان عليه سابقًا، في ظل خيارات محدودة لمواجهة التحديات، وحاجة ماسة لتجنب المزيد من الفوضى وإنهاء الحرب. وحتى ذلك الحين، سيتعين على القادة العراقيين الحد من انخراط البلاد في الصراع قدر الإمكان، وذلك من خلال حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة، وإيجاد طرق تصدير بديلة، والحد من الهجمات، وتعزيز التعاون التجاري والطاقي مع الدول المجاورة الأخرى، والبناء على العلاقات التجارية والثقة الهشة التي بدأت تتبلور فيما بينها في السنوات الأخيرة.