اخر الاخبار

تُعد الجامعات في مختلف دول العالم من أبرز المؤسسات التي يفترض أن تسهم في تشخيص مشكلات المجتمع وتقديم الحلول العلمية لها، عبر البحث العلمي وإنتاج المعرفة وتوجيه الخبرات الأكاديمية لخدمة التنمية، الا أن واقع التعليم العالي في العراق يثير تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة الجامعات على أداء هذا الدور، في ظل تحديات سياسية وإدارية واقتصادية انعكست على طبيعة العلاقة بين المؤسسة الأكاديمية والمجتمع.

ويرى أكاديميون وباحثون وطلبة أن هذه العلاقة لم تعد بالمتانة التي كانت عليها في مراحل سابقة، إذ تشير آراء متعددة إلى وجود فجوة بين ما تنتجه الجامعات من نشاطات بحثية وعلمية، وبين ما يحتاجه المجتمع من دراسات ورؤى قادرة على الإسهام في معالجة أزماته المتراكمة، بدءاً من القضايا الاقتصادية والتنموية وصولاً إلى التحديات الاجتماعية والفكرية.

نمط اقتصادي يجعل البلاد عرضة للمخاطر

يرى دكتور جامعي، د. عباس الربيعي أن الجامعات في العراق باتت بعيدة إلى حدٍ كبير عن قضايا المجتمع، رغم الدور المفترض أن تضطلع به في تشخيص المشكلات وإيجاد الحلول العلمية لها.

ويضيف في حديث لـ"طريق الشعب"، أن مسار بناء الدولة يشهد خلل واضح في التخطيط على مستوى مختلف القطاعات، في ظل غياب دراسات جامعية حقيقية تسلط الضوء على هذا المسار وتقدم معالجات علمية رصينة. فالدراسات الاجتماعية، بحسب قوله، ما تزال محدودة جداً، بينما تتفاقم المشكلات المجتمعية يوماً بعد آخر دون أن تجد الاهتمام الكافي أو المعالجات البحثية الجادة التي يمكن أن تسهم في فهمها والتعامل معها.

ويشير الربيعي إلى أن حجم التحديات التي يواجهها المجتمع في مختلف المجالات يكشف بوضوح الفجوة القائمة بين المؤسسة الأكاديمية والواقع الاجتماعي، في وقت كان يُفترض أن تكون فيه الجامعات مركزاً لإنتاج المعرفة وتقديم الرؤى العلمية التي تسهم في معالجة الأزمات المتراكمة.

ويبين ان المؤتمرات والندوات الأكاديمية، كثيراً منها يُعقد بوصفه نشاطاً أكاديمياً مطلوباً ضمن متطلبات التقييم الجامعي، أكثر من كونه محاولة فعلية لمعالجة قضايا المجتمع. ويطرح تساؤلاً حول مدى الاستفادة من التوصيات التي تخرج بها هذه الفعاليات، متسائلاً إن كانت قد تحولت إلى سياسات أو إجراءات عملية تسهم في حل المشكلات، ليخلص إلى أن تأثيرها على أرض الواقع يكاد يكون محدوداً.

كما يشير إلى أن الدعوات في هذه الفعاليات غالباً ما تكون محصورة بين الجامعات نفسها، في حين تكاد تغيب مشاركة المثقفين ومنظمات المجتمع المدني، الأمر الذي يعكس ضعف قناعة بعض المؤسسات الأكاديمية بالدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الجهات في نقل الصورة الواقعية عن المجتمع، وفي بناء جسور تواصل بين المجتمع والسلطات.

ويؤكد أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تشكل حلقة وصل مهمة إذا ما جرى دعمها وتطوير التعاون معها بما يسهم في تعزيز بناء دولة مؤسسات قوية ذات نظام اقتصادي واجتماعي متوازن.

عوامل سياسية وإدارية

ويربط الربيعي تراجع الأداء الجامعي بجملة من العوامل السياسية والإدارية، مشيراً إلى أن سوء إدارة الدولة أسهم في الوصول إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، إلى جانب استمرار انعدام الثقة بين القوى السياسية الحاكمة. ويرى أن هذا الواقع يدفع الأحزاب إلى التنافس على المناصب السيادية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تغيير القيادات الإدارية وفق الانتماءات الحزبية، وهو ما ينعكس بدوره على أداء المؤسسات الحكومية، بما فيها وزارة التعليم العالي.

ويضيف أن تغير القيادات والتشكيلات الإدارية داخل المؤسسات التعليمية وفق الاعتبارات السياسية يخلق حالة من عدم الاستقرار المؤسسي، خصوصاً عندما لا تتوافر التخصصات العلمية المطلوبة لدى القيادات الجديدة، الأمر الذي يؤثر على مستوى الأداء ويضعف قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها العلمية والبحثية.

وبحسب رأيه، فإن هذا الواقع انعكس على مستوى خريجي الجامعات ورصانة البحث العلمي، فضلاً عن تراجع الابتكارات التي يمكن أن تسهم في إيجاد حلول للمشكلات المعقدة التي تواجه قطاعات الدولة المختلفة. ويشير إلى أن البلاد، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية كبيرة، ما تزال تعتمد اقتصادياً على النفط بشكل شبه كامل لتأمين الرواتب وبعض الخدمات العامة المحدودة.

ويحذر من أن استمرار هذا النمط الاقتصادي يجعل البلاد عرضة لمخاطر كبيرة في حال انخفاض أسعار النفط أو حدوث أزمات اقتصادية عالمية، ما قد يهدد قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية.

ويشير إلى أن قطاعات اقتصادية عديدة ما تزال معطلة أو ضعيفة الإنتاج، مثل الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة، في ظل غياب خطط تنموية واضحة تسهم في تحقيق الرفاه الاقتصادي للمجتمع.

ويتابع بالقول إن مسؤولية النهوض بهذه القطاعات لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تشمل أيضاً النخب الأكاديمية التي يفترض أن تسهم بخبراتها في تقديم رؤى تنموية شاملة. غير أنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلاً حول طبيعة العلاقة بين الأكاديمي والدولة: هل يعود التراجع إلى عجز الأكاديميين عن تقديم رؤى تتلاءم مع المرحلة، أم إلى إقصائهم عن المشاركة الفعلية في صنع القرار؟ مؤكداً أن الدور الحقيقي للأكاديمي يتمثل في تسخير المعرفة لخدمة المجتمع والمساهمة في تحقيق تطلعاته في العيش الكريم ضمن دولة مواطنة واقتصاد مستقر.

إطار أكاديمي تقليدي

من جانبها، تقول التدريسية في الجامعة المستنصرية هيام علي المرهج أن الجامعات العراقية لا يمكن وصفها بأنها مؤسسة مغلقة تماماً عن المجتمع، لكنها في الوقت نفسه لم تعد مرتبطة به بالقدر الذي يُفترض أن تكون عليه. وتوضح أن الجامعات لعبت تاريخياً دوراً مهماً في النقاشات الفكرية والاجتماعية، وأسهمت في تقديم الخبرات العلمية لمعالجة قضايا المجتمع، إلا أن هذا الدور لم يعد بالحيوية نفسها اليوم.

وتشير المرهج في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن بعض الأقسام والأساتذة ما زالوا يسعون إلى ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، غير أن هذه الجهود غالباً ما تبقى فردية وليست ضمن سياسة مؤسسية واضحة". وبرأيها، فإن العلاقة بين الجامعة والمجتمع ما تزال قائمة لكنها تحتاج إلى تعزيز أكبر، خصوصاً عبر توجيه البحوث والأنشطة الأكاديمية نحو معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع العراقي.

وفي ما يتعلق بالندوات والفعاليات العلمية، تقول إن كثيراً من هذه الأنشطة يُنظم داخل إطار أكاديمي تقليدي يقتصر في الغالب على الباحثين والأساتذة، وهو ما يرتبط بطبيعة التنظيم المؤسسي للفعاليات الجامعية. لكنها تشير في المقابل إلى تزايد الوعي خلال السنوات الأخيرة بأهمية الانفتاح على فاعلين خارج الجامعة، مثل المثقفين ومنظمات المجتمع المدني، لما يمتلكونه من خبرات ميدانية يمكن أن تثري النقاش العلمي وتمنحه بعداً واقعياً.

وترى أن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة بالانفتاح بشكل كامل، بل في ضعف قنوات التواصل أحياناً، إضافة إلى الطابع الإداري الذي يطغى على بعض الفعاليات. وتؤكد أن توسيع دائرة المشاركة في هذه الأنشطة من شأنه أن يجعل النقاشات أكثر حيوية ويسهم في تعزيز دور الجامعة بوصفها مركزاً للحوار المجتمعي.

وعن مساحة حرية التعبير داخل الحرم الجامعي، توضح المرهج أن الجامعة من حيث المبدأ تُعد فضاء للحوار وتبادل الأفكار وتنمية الإبداع، وأن بعض الأنشطة الثقافية والعلمية ما تزال توفر للطلبة فرصاً للتعبير عن آرائهم. إلا أنها تشير إلى أن هذه المساحة ليست متساوية دائماً لجميع الطلبة، إذ تتأثر البيئة الجامعية في بعض الأحيان بالظروف السياسية والاجتماعية العامة، ما قد يدفع بعض الطلبة إلى توخي الحذر في التعبير عن آرائهم، خصوصاً في القضايا الفكرية أو السياسية الحساسة.

وبحسب رأيها، فإن حرية التعبير داخل الجامعة موجودة إلى حد ما، لكنها ليست بالدرجة نفسها من الاتساع أو الأمان الفكري للجميع، الأمر الذي يستدعي العمل على تعزيز ثقافة الحوار والتعددية داخل الحرم الجامعي.

وتؤكد أن الجامعات في أي بلد لا يمكن فصلها تماماً عن السياق السياسي العام، والعراق ليس استثناءً من ذلك. ففي بعض الحالات قد تظهر تأثيرات غير مباشرة للانتماءات أو التوازنات السياسية في إدارة المؤسسات أو في طبيعة العلاقات داخل البيئة الجامعية. ورغم ذلك، تشير إلى أن كثيراً من الأساتذة والباحثين ما زالوا يحاولون الحفاظ على المعايير العلمية والمهنية في عملهم الأكاديمي.

وتضيف أن وجود هذه التأثيرات بدرجات متفاوتة قد ينعكس أحياناً على المناخ الأكاديمي وعلى شعور بعض الطلبة أو الأكاديميين بمدى قدرتهم على التعبير بحرية كاملة. لذلك تؤكد أن تعزيز استقلالية الجامعة وحمايتها من الاستقطاب السياسي يبقى من القضايا الأساسية لضمان بيئة أكاديمية صحية قادرة على أداء دورها العلمي والمجتمعي.

أداة حزبية

وقال محمد موفق، وهو طالب دراسات عليا في الجامعة المستنصرية، إن "الجامعات باتت أداة بيد الجماعات الحزبية، والمحاصصة تتحكم في مصالحها"

وأضاف موفق لـ"طريق الشعب"، عن وجود أنشطة حزبية تحت غطاء المبادرات الطلابية المستقلة، ومنها أنشطة تخص جماعات مسلحة خارج اطار الدولة وتدار فعالياتها بعلم الجامعات ورئاساتها وبالتالي ان الجو الجامعي افرغ من محتواه.

ولفت موفق إلى إن "قرارات وزارة التعليم العالي، التي حظرت نشاط الاتحادات المهنية لم تقم بأي مبادرة لإيقاف التدخل الحزبي والمحاصصة وتقادم المناهج الدراسي والخلل الكبير في الأقسام الداخلية ولم تعالج مشاكل التحرش والفساد المالي والإداري وتسرب الأسئلة وتخرج مجاميع كثيرة ليس لديها أي فكرة عن تخصصها، كما لم توقف هذا التسيب في الجامعات الاهلية".

وطالب موفق بعقد مؤتمر وطني كبير، تشرف عليه الحكومة من اجل طرح موضوع اصلاح التعليم العالي وابعاده عن شبح المحاصصة، والارتقاء به ليعود الى دوره الريادي في بناء المجتمع.