اخر الاخبار

في ظل سعي العراق لتنويع موارده المالية وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، برزت الضرائب والرسوم لدى الحكومة كادوات لتعزيز الإيرادات، إلا أن هذا التوجه يصطدم بواقع اقتصادي ومعيشي معقد يعيشه المواطن.

فمع تصاعد تكاليف الحياة، وارتفاع أسعار السلع، واستمرار الضغوط على الدخول، تتزايد حساسية الشارع تجاه أي إجراءات مالية تُثقل كاهله دون أن يقابلها تحسن ملموس في مستوى الخدمات العامة.

ورغم أن الأنظمة الضريبية في جوهرها تقوم على مبدأ “الدفع مقابل الخدمة”، إلا أن هذا التوازن يبدو مختلاً في الحالة العراقية، حيث تتداخل الإيرادات الضريبية مع غيرها ضمن الموازنة العامة دون وضوح كافٍ في مسارات إنفاقها أو انعكاساتها المباشرة على قطاعات حيوية كالكهرباء، والبنى التحتية، والخدمات البلدية.

كما أن غياب الربط المؤسسي بين الإيرادات وأوجه الإنفاق، بحسب مختصين، وضعف الشفافية في عرض البيانات المالية، يسهمان في تعميق الفجوة بين المواطن والدولة، ويحدّان من فاعلية النظام الضريبي كأداة لتحقيق التنمية.

لا علاقة بين الضرائب والخدمات في العراق

في هذا الشأن، قال الخبير الاقتصادي نبيل التميمي أن الضرائب والرسوم تُجمع ضمن باب واحد في الموازنة العامة  باسم الايرادات غير النفطية، دون تخصيص واضح لأوجه إنفاقها.

وأوضح التميمي لـ"طريق الشعب"، أن الإيرادات غير النفطية، "التي تشمل الرسوم الجمركية والضرائب وأرباح بعض القطاعات العامة، تتراوح سنوياً بين 8 الى 10 تريليونات دينار، وهي نسبة محدودة مقارنة بالإيرادات الكلية، إلا أن الحكومات المتعاقبة تسعى باستمرار إلى زيادتها، وغالباً ما تواجه اعتراضات شعبية".

وتابع أن "المشكلة لا تكمن فقط في حجم هذه الإيرادات، بل في آليات تحصيلها وإدارتها"، لافتاً إلى أن "جزءاً كبيراً منها لا يصل فعلياً الى خزينة الدولة، مستشهداً بإيرادات المنافذ الحدودية، خصوصاً في إقليم كردستان، والتي تمثل نسبة كبيرة من الاستيرادات دون وضوح كامل بشأن تدفقاتها المالية".

وأشار إلى أن "غياب نظام مالي موحد وفعّال، مثل حساب الخزينة العامة، يحدّ من قدرة الدولة على تجميع الإيرادات غير النفطية بشكل شفاف، ما ينعكس سلباً على كفاءة إدارة الموارد".

وبيّن التميمي أنه "لا توجد في العراق محددات قانونية تُلزم بتخصيص إيرادات الضرائب أو الرسوم لقطاعات خدمية معينة، إذ تُدمج جميعها ضمن الموازنة العامة إلى جانب الإيرادات النفطية، وتُصرف وفق أولويات الحكومة بالتنسيق مع البرلمان".

وأكد أن هذا الواقع "يضعف العلاقة بين ما يدفعه المواطن من ضرائب وما يتلقاه من خدمات"، مشدداً على أهمية "تشريع قانون يضمن تخصيص الإيرادات لأبواب إنفاق محددة، مثل توجيه رسوم الكهرباء لتطوير قطاع الطاقة، أو رسوم الخدمات العدلية لدعم وزارة العدل، بما يعزز الشفافية".

وزاد أن اعتماد هذا النهج "من شأنه أن يسهم في بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويشجع على الالتزام الضريبي، خاصة في ظل انتشار ظاهرة التهرب، التي يعزوها إلى اعتقاد شائع بأن الأموال العامة تُهدر أو تُوجه لمصالح ضيقة".

كما أشار إلى أن "نقص البيانات التفصيلية حول حجم الإيرادات وأوجه إنفاقها يمثل تحدياً حتى للمختصين، ما يعكس ضعف الشفافية في إدارة المال العامةظ

واتم حديثه قائلاً ان "بناء الثقة يتطلب وقتاً وإصلاحات حقيقية، تبدأ بتوضيح مسارات الإنفاق وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن غياب هذه العناصر يجعل المواطن غير مقتنع بجدوى ما يدفعه من ضرائب، في ظل عدم انعكاسها بشكل ملموس على حياته اليومية".

تعميق للفجوة بين المواطن والدولة

من جهته، اكد المختص في الشأن الجمركي، مصطفى الفرج، أن فرض الضرائب في العراق خلال المرحلة الحالية يُعد إجراءً “مرفوضاً وخاطئاً”، في ظل الظروف الاقتصادية والجيوسياسية المعقدة التي تمر بها البلاد والمنطقة.

وأوضح الفرج لـ"طريق الشعب"، أن العراق يواجه أزمة اقتصادية انعكست بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين، مشيراً إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل أي ضرائب إضافية عبئاً ثقيلاً، خصوصاً على ذوي الدخل المحدود والمتوسط.

وأضاف أن "فرض الضرائب ينبغي أن يقترن بإجراءات موازية، مثل زيادة الرواتب أو تقديم حوافز مالية، لتحسين معيشة المواطنين وتمكينهم من استيعاب هذه الأعباء، لافتاً إلى أن غياب هذه المعالجات يجعل الضرائب غير مدروسة اقتصادياً".

وبيّن أن "الهدف من الضرائب في الدول عادة ما يكون تحسين جودة الخدمات، إلا أن الواقع في العراق يشير إلى غياب هذا الأثر، إذ لم يلحظ المواطنون تحسناً في البنى التحتية أو الخدمات، سواء في الطرق أو قطاع الاتصالات أو الخدمات المرورية، رغم استمرار استيفاء الضرائب".

وأشار إلى أن "شركات الاتصالات، على سبيل المثال، تفرض رسوماً وضرائب دون أن يقابل ذلك تطور ملموس في جودة الخدمة، لافتاً إلى أن تقنيات متقدمة مثل الجيل الخامس لا تزال غائبة، مقارنة بدول أخرى".

وأكد أن هذا الواقع أدى إلى "نشوء أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والدولة، حيث يدفع المواطن الضرائب دون أن يلمس تحسناً في الخدمات أو في مستوى دخله".

كما لفت الفرج إلى أن "تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة مع بداية العام الجاري أدى إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق، دون أن يترافق ذلك مع زيادة في رواتب الموظفين، ما فاقم الضغوط المعيشية وزاد من حدة التحديات الاقتصادية التي تواجه المواطنين".

وختم بالقول إن "استمرار فرض الضرائب دون إصلاحات حقيقية في مستوى الخدمات أو تحسين دخل الأفراد سيبقيها مجرد عبء إضافي، ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع".

ضرائب بلا خدمات تُقوّض الثقة

الى ذلك، أكد المختص في الشأن الاقتصادي صالح الهماشي أن فرض الضرائب في العراق دون أن يقترن بتحسن ملموس في مستوى الخدمات العامة يثير تساؤلات مشروعة لدى المواطنين، ويعكس خللاً في إدارة الموارد المالية.

وأوضح بحديث مع "طريق الشعب"، أن "المبرر الأساسي لفرض الضرائب في أي دولة يتمثل في تمويل الخدمات العامة وتعزيز البنى التحتية، إلا أن هذا المبدأ لا ينعكس بوضوح في الحالة العراقية، حيث لا يلمس المواطن أثراً مباشراً لما يدفعه من أموال على مستوى الخدمات اليومية".

وأشار إلى أن "العلاقة بين حجم الإيرادات الضريبية ومستوى الخدمات المقدمة ما تزال ضعيفة وغير مباشرة، بسبب غياب آليات واضحة لربط الإيرادات بأوجه إنفاق محددة، فضلاً عن اعتماد الموازنة بشكل كبير على الإيرادات النفطية".

وبيّن أن النظام الضريبي في العراق "يواجه انتقادات تتعلق بالعدالة، إذ يُنظر إليه على أنه يفرض أعباء إضافية على المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، دون أن يقابل ذلك تحسن في الخدمات أو زيادة في مستوى الرفاه".

وأكد الهماشي أن "بناء ثقة المواطن يتطلب خطوات عملية، أبرزها تعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات، ونشر بيانات تفصيلية عن حجم الضرائب وأوجه صرفها، إضافة إلى تخصيص هذه الإيرادات لقطاعات خدمية محددة يشعر المواطن بأثرها بشكل مباشر".

وأضاف أن "فرض الضرائب دون تحسين الخدمات يمكن اعتباره مؤشراً على ضعف في كفاءة الإدارة المالية، لاسيما في ظل غياب التخطيط السليم والرقابة الفعالة على الإنفاق العام".

ولفت إلى أن "استمرار هذه السياسة من شأنه أن يفاقم فجوة الثقة بين المواطن والدولة، ويؤدي إلى زيادة حالات التهرب الضريبي، نتيجة قناعة شريحة واسعة بأن ما يُدفع لا ينعكس على حياتهم اليومية".

وختم بالقول إن "إصلاح النظام الضريبي في العراق يتطلب إعادة النظر في آليات الجباية والإنفاق، بما يحقق التوازن بين الإيرادات وتحسين الخدمات، ويعيد بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع".