كل المؤشرات والمعطيات الراهنة، تشي بان أمد الحرب في الشرق الأوسط قد يأخذ وقتاً أطول، بينما يشهد العراق مرحلة حرجة على الصعيدين الاقتصادي والأمني بشكل غير مسبوق.
ويأتي ذلك في ظل حكومة عاجزة عن اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، ما يجعل العراق أمام مفترق طرق دقيق: كيفية الموازنة بين حماية الاقتصاد الوطني، وفرض الامن وحماية العراق من الاعتداءات الخارجية، وضمان استقرار البلاد وسط بيئة اقليمية مضطربة ومتوترة لا تعترف بالحدود التقليدية للسيادة.
اعتداء آثم
وأعلنت وزارة الدفاع، أمس، الحصيلة الرسمية للاستهداف الجوي الذي طال قاعدة الحبانية بمحافظة الأنبار، واصفةً الهجوم بـ"الاعتداء الآثم" الذي طال منشآت طبية وعسكرية.
وأكدت الوزارة استشهاد 7 مقاتلين وإصابة 13 آخرين بجروح متفاوتة أثناء تأديتهم الواجب.
ووصفت الوزارة الاستهداف في بيان لها بأنه "انتهاك صارخ وخطير للقوانين والأعراف الدولية التي تُحرم استهداف المنشآت الطبية"، مشددةً على أن هذا العمل يمثل "تصعيداً خطيراً وجريمة نكراء"، لكونه استهدف مؤسسات تُعنى بإنقاذ الأرواح.
وأكد البيان أن الوزارة "تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات اللازمة للرد على هذا العدوان، وفق الأطر القانونية المعتمدة".
ويُعد هذا الهجوم هو الثاني من نوعه الذي يطال القاعدة ذاتها خلال أقل من 24 ساعة، حيث تعرضت الحبانية لقصف مماثل، الثلاثاء، أسفر عن سقوط 15 ضحية و14 جريحاً من عناصر الحشد الشعبي.
طهران أقرت بوقوع خطأ
واكد رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، خلال مشاركته في مراسيم عزاء 6 افراد قوات البيشمركة عن تواصل رسمي مع الجانب الإيراني عقب الهجمات الأخيرة.
وذكر ان "طهران أقرت بوقوع (خطأ ما) في استهداف قوات البيشمركة وأبدت أسفها حيال الحادثة".
وقال بارزاني "تواصلنا بشكل مباشر مع الجانب الإيراني، وقد أقروا رسمياً بوقوع خطأ ما في توجيه الضربة الصاروخية"، مبيناً أن طهران قدمت تعازيها ووعدت بإجراء تحقيق للوقوف على ملابسات الهجوم، فيما ينتظر الإقليم إعلامه بالنتائج النهائية.
وحث نيجيرفان بارزاني الحكومة الاتحادية على ممارسة مهامها السيادية، لافتاً إلى ضرورة إيقاف الهجمات التي تشنها "جماعات خارجة عن القانون" ضد الإقليم.
حصيلة أمنية
وشهدت بغداد ومدن عراقية أخرى تفجيرات عديدة وسقوط طائرات مسيرة، فيما ابلغ مواطنون عن سماع صوت طائرات جابت سماء بغداد بشكل متكرر في ليل الثلاثاء/ الأربعاء.
وأفاد مصدر أمني، بأن التفجيرات التي سُمعت في محيط مطار بغداد الدولي ناتجة عن عمليات تفجير مسيطر عليها بإشراف القوات العراقية.
وقال المصدر، إن موقع التفجيرات يقع بالقرب من مقر الدعم الدبلوماسي داخل المطار، موضحاً أن العملية تتضمن إتلاف حاويات عتاد تضم أسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة.
وفي بغداد سقط مقذوف على عجلة مدنية قرب مقر قيادة القوات البرية ضمن حدود مطار بغداد الدولي.
وقال مصدر امني، إن الحادث لم تتضح طبيعته بعد، كما لم ترد حتى الآن تفاصيل إضافية بشأن نوع المقذوف أو حجم الأضرار المحتملة.
فيما أفاد مصدر محلي في أربيل، ليل الثلاثاء/ الأربعاء، بسقوط شظايا طائرة مسيرة داخل مجمع القرية اللبنانية وسط المدينة.
وقال المصدر إن الدفاعات الجوية اعترضت طائرة مسيرة حيث سقطت شظايا منها داخل مجمع القرية اللبنانية، دون تسجيل إصابات بشرية.
وفي محافظة ذي قار، ابلغ مصدر امني عن سقوط طائرة مسيرة مجهولة المصدر في قرية زراعية شرقي المحافظة.
وقال المصدر إن طائرة مسيرة مجهولة المصدر سقطت في القرية دون تسجيل إصابات بشرية أو خسائر مادية. وكانت خلية الأزمة الإعلامية في محافظة بابل قد أعلنت عن تفجير طائرة مسيرة تحت السيطرة جنوبي المحافظة.
وبحسب بيان للخلية، الطائرة المسيرة سقطت في منطقة نائية بعيدة عن المساكن في قضاء الهاشمية، ولم تتسبب بأية خسائر مادية أو بشرية.
وفي التطورات الأمنية أيضاً، أعلنت هيئة الحشد الشعبي في العراق، مساء الثلاثاء، إصابة 7 منتسبين كحصيلة أولية إثر تعرض مقر اللواء 31 في منطقة الصينية في محافظة صلاح الدين إلى ضربتين جويتين.
واشارت الهيئة في بيان الى تعرض المقر لضربتين غادرتين من الطيران الحربي الصهيو-أميركي، ما أسفر عن إصابة 7 جرحى كحصيلة أولية وتضرر المقرات بالكامل".
وفي الموصل القت القوات الأمنية على أربعة أشخاص يُشتبه بتورطهم في تنفيذ الهجوم الصاروخي باتجاه الأراضي السورية.
وقال مصدر امني، إن "قوة مشتركة تمكنت من اعتقال المتهمين في سيطرة عوينات بناحية ربيعة غربي نينوى، بعد ساعات من تنفيذ الهجوم ليلة الاثنين، وذلك بعدما تم تشديد الإجراءات وغلق المنافذ عقب الحادث لتعقب المتورطين".
من يرد.. وكيف؟
وبخصوص قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني الذي خول الجهات الأمنية بالرد على الاعتداءات العسكرية، انتقد الخبير الأمني عماد علو الغموض الذي يحيط بالتوجيه، مشيراً إلى أنه لم يحدد الجهة المعنية به بشكل واضح، سواء كانت قوات الحشد الشعبي أو القوات المسلحة العراقية، ما يثير إرباكاً لدى القيادات الميدانية.
وقال علو في حديث مع "طريق الشعب"، ان "التوجيه يفتقر إلى تحديد آليات واضحة للتعامل مع التهديدات الراهنة، في وقت لا تتناسب فيه قدرات الرد العراقية مع مستوى التحديات، خاصة في ظل استمرار استهداف مواقع عسكرية تابعة للجيش والحشد، فضلاً عن قوات البيشمركة".
وأضاف أن هناك "عدم وضوح بشأن طبيعة الرد، سواء باستخدام منظومات الدفاع الجوي أو أساليب التمويه أو غيرها من الإجراءات، يضع القادة الميدانيين في حالة من الحيرة"، مؤكداً أن "مثل هذه التفاصيل يجب أن تكون محسومة ضمن إطار استراتيجي واضح".
وأشار إلى أن "العراق يفتقر الى منظومة دفاع جوي متكاملة، فضلاً عن غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع التوترات الإقليمية، ما يعكس حالة من الانكشاف العسكري في ظل تصاعد الصراع بين أطراف دولية وإقليمية".
وبيّن علو أن "محدودية القدرات العسكرية، إلى جانب القيود الدستورية التي تمنع تنفيذ عمليات خارج الحدود، تعقّد من خيارات الرد"، لافتاً إلى أن "القرار النهائي في هذا السياق يبقى سياسياً بالدرجة الأساس، وهو ما يحدد طبيعة التعاطي مع أي انتهاك للسيادة العراقية".
صعوبات الامن الغذائي
من جهتها، حذّرت شركة متخصصة بالبيانات الاقتصادية والمالية وتحليلات السوق، من تأثير الاضطرابات في مضيق هرمز على الأمن الغذائي للعراق، مشيرة إلى أن بغداد تستورد نحو 70 في المائة من احتياجاتها من الخضروات والفواكه.
وقالت شركة "S&P Global" في تقرير، إن "العراق يعتمد على 70% من احتياجاته من الخضروات والفواكه من الخارج لتغطية السوق المحلية"
وأوضح التقرير أن "القيود المطولة في مضيق هرمز قد تؤدي إلى إجبار المستوردين على اللجوء إلى طرق بحرية أطول أو ممرات برية بديلة، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتفاقم التحديات اللوجستية، ويؤثر مباشرة على أسعار المواد الغذائية في الأسواق العراقية".
وفي التطورات ايضاً، ارتفعت أسعار الذهب الأجنبي والعراقي، امس الأربعاء، في الأسواق المحلية ببغداد وأربيل عاصمة إقليم كوردستان.
وسجلت أسعار الذهب في في بغداد سعر بيع للمثقال الواحد عيار 21 من الخليجي والتركي والأوروبي عند 993 ألف دينار، وسعر الشراء 958 ألف دينار، فيما سجلت أمس الثلاثاء 962 ألف دينار.
وأشار إلى أن سعر بيع المثقال الواحد عيار 21 من الذهب العراقي سجل 963 ألف دينار، وبلغ سعر الشراء 959 ألف دينار.
امكانية صمود محدودة
وعلى سياق متصل، حذّر الخبير الاقتصادي محمود داغر من تداعيات إطالة أمد الحرب وإمكانية إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن ذلك يشكّل عبئاً إضافياً على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية في تمويل نشاطه.
وأوضح في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن العراق "يُعد من أكثر الدول الخليجية اعتماداً على النفط، ما يجعل قدرته على مواجهة الأزمات محدودة، خاصة في ظل مستويات الإنفاق المرتفعة التي تتطلب إيرادات كبيرة، في وقت بالكاد تغطي فيه العوائد الحالية حجم الإنفاق العام".
وأشار إلى أن "أبرز أدوات المواجهة لدى العراق تتمثل في الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، الذي يتجاوز 100 مليار دولار"، مبيناً أن "هذا الاحتياطي قد يتيح للحكومة الاستمرار في تغطية النفقات لفترة قصيرة تُقدّر بنحو شهرين في حال تعذر التصدير النفطي".
وأضاف أن "استمرار التصدير، حتى بمعدلات منخفضة تصل إلى نحو مليون برميل يومياً مقارنة بالمعدل الطبيعي البالغ نحو 3.5 مليون برميل، قد يمنح الاقتصاد العراقي قدرة أكبر على الصمود، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار النفط".
ومع ذلك، شدد داغر على أن "قدرة العراق على تحمّل تداعيات أي تراجع في الإيرادات النفطية تبقى محدودة"، مرجحاً "عدم إمكانية الصمود لأكثر من شهرين الى ثلاثة أشهر، بسبب الأعباء الكبيرة المترتبة على رواتب الموظفين والإنفاق التشغيلي، ما يجعل الاقتصاد هشاً أمام أي صدمات في سوق النفط".