اخر الاخبار

مع اتساع رقعة الصراعات في المنطقة، انكشفت هشاشة البنية الاقتصادية في العراق بصورة أكثر وضوحاً، لتعيد طرح سؤال جوهري عن جدوى السياسات الاقتصادية التي أُدير بها البلد خلال السنوات الماضية، مسلطة الضوء على حجم القصور لدى صانع القرار في إدارة الأزمات والظروف الاستثنائية.

فبدلاً من بناء منظومة اقتصادية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، وجد العراق نفسه أمام أزمة جديدة بأدوات محدودة وخيارات ضيقة، نتيجة سنوات طويلة من سوء التخطيط وغياب الرؤى الاستراتيجية الناجعة.

أين الخلل؟

ففي وقت سارعت فيه دول المنطقة الى تفعيل خطط الطوارئ وفتح مسارات بديلة للتجارة والطاقة، بدا العراق عالقاً في نموذج اقتصادي شديد الاعتماد على مورد واحد وممرات محدودة للتصدير، من دون شبكة أمان اقتصادية حقيقية تحميه عند اشتداد الأزمات.

هذا الواقع بحسب مختصين، يعكس خللاً عميقاً في إدارة الملفات الاقتصادية، حيث طغت الحسابات السياسية الآنية على متطلبات التخطيط بعيد المدى، ما جعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة للتقلبات الإقليمية والدولية، وأقل قدرة على المناورة في لحظات الخط.

سياسة ردود الفعل

في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن العراق يعاني من قصور واضح في إدارة المخاطر وسوء في التخطيط خلال الأزمات، واصفاً المشكلة بانها بنيوية أكثر منها ظرفية، في ظل بيئة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة ما زالت تفتقر إلى منظومة مؤسسية متكاملة لاستشراف المخاطر والتعامل معها قبل وقوعها.

وأضاف عبد ربه في حديثه مع "طريق الشعب"، ان السياسات الحكومية "غالباً ما تتحرك بردّ فعل بعد حدوث الأزمات، بدلاً من تبني سياسات استباقية قائمة على بناء السيناريوهات المستقبلية وإدارة الاحتمالات، الأمر الذي يحدّ من قدرة الدولة على احتواء التداعيات مبكراً".

وتابع أن "قصر النظر السياسي لدى بعض صناع القرار أسهم في تفاقم العديد من الأزمات الأمنية والاقتصادية، إذ تميل القرارات في كثير من الأحيان إلى معالجة التحديات الآنية المرتبطة بالاستقرار السياسي أو الدورات الانتخابية، على حساب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد".

وبيّن أن هذا النهج أدى إلى "تأخير إصلاحات اقتصادية مهمة، وفي مقدمتها تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، ما جعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية"، لافتا إلى أن تراجع أسعار النفط خلال أزمة عام 2020 كشف هشاشة البنية المالية للدولة، بسبب اعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

وأشار إلى أن "غياب الرؤية الاستراتيجية لدى النظام السياسي، انعكس أيضاً في ضعف استشراف التحديات المستقبلية، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن الغذائي أو الموارد المائية". كما أشار إلى تسييس بعض المؤسسات الاقتصادية وضعف دور مراكز الدراسات والتخطيط الحكومي القادرة على تقديم رؤى مستقبلية دقيقة.

وشدد على أن ضعف التخطيط طويل الأمد ينعكس مباشرة على قدرة العراق في حماية مصالحه الوطنية وسط التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، لافتاً إلى أن الدول التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة تجد نفسها غالباً في موقع المتلقي للتغيرات بدلاً من أن تكون طرفاً فاعلاً في تشكيلها.

وخلص إلى القول إن تجاوز هذه المعضلة ممكن، لكنه "يتطلب إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً يعزز دور التخطيط الاستراتيجي، ويمنح المؤسسات الاقتصادية والفنية استقلالية أكبر، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية طويلة الأمد تركز على تنويع الاقتصاد، وإدارة الموارد بكفاءة، والاستعداد المسبق للأزمات قبل تحولها إلى تهديدات كبيرة".

ضعف في التخطيط وخيارات محدودة

من جانبه، أكد الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي أن الأزمات الإقليمية الأخيرة كشفت حجم القصور في التخطيط الاستراتيجي لدى النظام السياسي في العراق، مشيراً إلى أن البلاد تعاني من معضلة واضحة تتمثل في قصر النظر وغياب الرؤية بعيدة المدى في إدارة الملفات الاقتصادية والمالية.

وأوضح الهاشمي لـ"طريق الشعب"، أن الحرب الدائرة في المنطقة "أظهرت الإمكانات الحقيقية للعراق، وكذلك محدودية الأدوات التي يمتلكها للتعامل مع انعكاسات الأزمات الإقليمية والدولية على اقتصاده"، لافتاً إلى أن "سوء التخطيط جعل البلاد أقل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية".

وبحسب الهاشمي فان من أبرز مظاهر هذا القصور "الاعتماد العالي على منفذ واحد لتصدير النفط مع غياب منافذ بديلة، فضلاً عن ضعف اتفاقيات التعاون التجاري واللوجستي مع دول المنطقة، ما وضع العراق في موقف صعب لا يملك فيه الكثير من البدائل، سوى انتظار ما ستؤول إليه تطورات الحرب، دون قدرة حقيقية على تحصين اقتصاده أو الحفاظ على استمرارية تبادله التجاري مع العالم".

وأشار إلى أن "دولاً أخرى في المنطقة بادرت إلى تفعيل خطط الطوارئ واستثمار البدائل المتاحة لديها، إلى جانب تنشيط اتفاقيات التعاون الاقتصادي فيما بينها لتحويل مسارات التصدير والتجارة إلى طرق بديلة، بما يخفف من تأثيرات الحرب على اقتصاداتها وأسواقها".

وبيّن الهاشمي أن "قصر النظر وغياب التخطيط المنظم تركا الحكومة العراقية أمام خيارات اقتصادية صعبة في ظرف كهذا، من بينها زيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، وربما اللجوء إلى الاحتياطي الدولاري، رغم أن هذا الاحتياطي يُفترض أن يبقى أداة حماية للاقتصاد في الظروف الاستثنائية".

ولفت إلى أن الأزمة الحالية يجب أن "تشكل درساً مهماً للعراق يدفع باتجاه إعادة تفعيل عدد من الأدوات الاستراتيجية التي تعطلت في السابق، وفي مقدمتها إنشاء وتطوير أنابيب نفط متعددة، فضلاً عن توسيع الاتفاقيات الاقتصادية مع دول الإقليم لتعزيز التبادل التجاري وتسهيل حركة البضائع".

وأتم حديثه بالإشارة إلى أن "موقع العراق في منطقة تشهد صراعات متكررة، يفرض على صانعي القرار تبني تخطيط استراتيجي بعيد المدى وتوفير بدائل متعددة في مجالات الاقتصاد والطاقة والتجارة، محذراً من أن غياب هذه الرؤية سيجعل البلاد عرضة للصدمات دون القدرة على التعامل معها بفاعلية.