يعيش العاصمة بغداد تصعيدا وتدابير أمنية لم تألفها منذ سنوات، في ظل سلسلة استهدافات طالت مقارَ سيادية، أبرزها الهجوم الذي استهدف جهازي المخابرات ومكافحة الإرهاب، في مؤشر خطير على هشاشة الوضع الأمني، واتساع نطاق التحديات أمام الدولة، وسط تحذيرات من تداعيات تمسّ السيادة والاستقرار الداخلي.
وإزاء ذلك، شددت الأجهزة الأمنية في بغداد، مساء الأحد، إجراءاتها في المناطق القريبة من مطار بغداد الدولي، عقب تعرضه لقصف جديد بطائرتين مسيّرتين، ضمن سلسلة استهدافات شبه يومية، طالت المطار منذ بدء الحرب في المنطقة. وشملت الإجراءات الأمنية مناطق العامرية، الغزالية، حي الجهاد، حي الاطباء، حي الفرات، الرضوانية وأبو غريب، إلى جانب إغلاق شوارع ترابية بهدف السيطرة على أماكن إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ، قبل ان تعيد فتحها.
انسحاب مستشارين وقصف مواقع عسكرية
وفي تطور أمني موازٍ، انسحب المستشارون الأجانب من قيادة العمليات المشتركة، وغادروا عبر طائرات شحن جوي وصلت إلى بغداد قبل يومين، كما ذكرت الانباء.
فيما تعرضت قطعات اللواء 15 ضمن قيادة عمليات الشمال وشرق دجلة التابعة للحشد الشعبي، واللواء 27 ضمن قيادة عمليات شرق الأنبار، إلى قصف جوي استهدف مواقعها الخلفية، واقتصرت الأضرار على الجوانب المادية دون تسجيل خسائر بشرية.
استياء شعبي من الإجراءات
وعبّر عدد من المواطنين عن استيائهم من ضعف الإجراءات الحكومية في تعقب الجماعات المسلحة، مؤكدين أن التدابير الحالية تفرض عليهم أعباءً غير مبررة، من خلال إغلاق مداخل المناطق ونصب سيطرات تفتيش متكررة، رغم توفر منظومات مراقبة متطورة قادرة على متابعة التحركات بشكل مستمر.
وأشاروا إلى أن هذه الإجراءات تعطل حياتهم اليومية وتفاقم معاناتهم، مطالبين الحكومة بإعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية، والاعتماد على وسائل المراقبة الحديثة لملاحقة العناصر المسلحة، بدلاً من تحميل المدنيين تبعات التقصير الأمني.
وأكد المواطنون أن اعتماد الحلول التكنولوجية من شأنه تعزيز الأمن وتقليل المخاطر دون التأثير على حياة السكان، داعين إلى تكثيف الجهود لتفكيك المجاميع المسلحة، بدل الاكتفاء بإجراءات ميدانية غير فعّالة.
السوداني: لا خطر داخليا
في المقابل، أكد رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، أن العراق لا يواجه خطر اندلاع حرب داخلية أو عودة واسعة للإرهاب، مشيراً إلى أن التهديدات تقتصر على “خلايا محدودة” تعمل القوات الأمنية على ملاحقتها.
وأوضح السوداني في مقابلة مع صحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية، أن التحدي الأبرز يتمثل في انتهاك الأجواء العراقية من قبل الطيران الأمريكي، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، معتبراً ذلك مساساً مباشراً بالسيادة.
وأضاف أن الولايات المتحدة استهدفت قوات الحشد الشعبي، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، معرباً عن إدانة الحكومة لهذه الضربات.
وحذر السوداني من أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة “شديدة الخطورة”، مع تصاعد احتمالات توسع النزاعات إلى حرب إقليمية، متهماً إسرائيل بإشعال الحروب وتجاوز القانون الدولي.
وأكد أن العراق يتابع التصعيد بقلق بالغ، لوقوعه في قلب منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية، مشدداً على أن القضية الفلسطينية تبقى العامل الجوهري في عدم الاستقرار، وأن تجاهلها يؤدي إلى موجات عنف متكررة.
وبيّن أن إيران تطرح نفسها كمدافع عن الفلسطينيين، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أطراف أخرى ويسهم في رفع مستوى التصعيد، لافتا الى أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى استهداف منشآت الطاقة، بما يحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن العراق يسعى إلى تجنب الانجرار إلى أي صراع ولن يكون ساحة لتصفية الحسابات.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل على تعزيز الاستقرار الداخلي، إلى جانب دور دبلوماسي لتقريب وجهات النظر، مستفيدة من علاقاتها مع كل من إيران والولايات المتحدة.
وشدد على رفض الحلول العسكرية، محذراً من أن أي تدخل مسلح في مضيق هرمز سيقابل برد فعل إيراني، مؤكداً أن العراق لن يسهم في استئناف الملاحة في ظل هذا السيناريو.
كما أشار إلى نجاح القوات الأمنية في إحباط عدد كبير من الهجمات، والسيطرة على أعمال العنف غير القانوني، كاشفاً عن اتفاق مع الحلفاء لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول أيلول 2026، في ظل اعتبار بعض الجماعات المسلحة وجود القوات الأجنبية “احتلالاً”.
تحذيرات من استهداف الأجهزة الأمنية
من جانبه، اعتبر الرفيق رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، أن استهداف جهازي المخابرات ومكافحة الإرهاب يمثل تصعيداً خطيراً، لا تكمن خطورته في العملية بحد ذاتها فحسب، بل في ما يعكسه من تحدٍ لسيادة الدولة.
وأشار إلى أن الهجوم يكشف ضعف قدرة الدولة على ضبط الأوضاع الأمنية، ويحمل تداعيات تهدد استقرار البلاد، داعياً إلى تعزيز الإجراءات الأمنية لمواجهة هذه التحديات وحماية المواطنين.
انتقادات للمعالجات “التقليدية”
بدوره، رأى الباحث في الشأن السياسي سيف العبيدي أن أسلوب تعامل الجهات المعنية يعكس عجزاً واضحاً في إنهاء حالة الفوضى، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية تركز على الاحتواء المؤقت بدلاً من معالجة جذور المشكلة.
وأوضح العبيدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن اللجوء إلى تكتيكات تقليدية، مثل عزل المناطق وإغلاقها، لا يمثل حلاً ناجعاً، بل هو أسلوب قديم أثبت فشله، وقد يؤدي إلى التضييق على المواطنين دون منع تكرار الهجمات.
وأضاف أن هذا النهج يعطي انطباعاً بعجز الحكومة عن مواجهة الجهات المنفذة، مع التركيز على إبعاد مصادر التهديد بدلاً من ملاحقة المنفذين واعتقالهم، تجنباً لتصعيد محتمل.
وحذر العبيدي من خطورة استهداف الأجهزة الأمنية أو التشكيك بوطنيتها، معتبراً ذلك “كارثة كبيرة” تهدد مؤسسات الدولة، خاصة في ظل محاولات تصويرها كجهات مرتبطة بأطراف خارجية.
وأشار إلى أن ما يجري يدخل ضمن محاولات خلط الأوراق وإدارة الفوضى، بما يخدم أجندات إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها داخل العراق أو دفعه ليكون ساحة صراع مفتوحة.
فوضى السلاح.. جوهر الأزمة
من جهته، أرجع الخبير الأمني معتز محيّ هذه الفوضى إلى انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، مشيراً إلى وجود أكثر من أربعين مليون قطعة سلاح خارج رقابة وزارة الداخلية.
وأوضح أن غياب التنظيم الواضح لاستخدام هذه الأسلحة من قبل الأفراد والفصائل، وغياب التنسيق بين المؤسسات الأمنية، يمثل ثغرة خطيرة تُستغل في استهداف منشآت حيوية وأجهزة أمنية، فضلاً عن استخدامها في النزاعات العشائرية، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة.
وأكد أن هذه الفوضى تتيح الفرصة لجهات غير معروفة لاستغلال الوضع، ما يهدد الوحدة الوطنية والسيادة، ويضع البعثات الدبلوماسية أمام مخاطر قد تدفعها إلى تقليص نشاطها أو المغادرة.
وانتقد محيّ تعامل الحكومة مع هذا الملف، واصفاً الإجراءات بأنها “روتينية” تقتصر على نشر القوات وإغلاق الطرق، دون معالجة جوهر المشكلة، ما يعزز شعور المواطنين بالانفلات الأمني.
وحذر من أن استمرار هذا النهج يشكل تهديداً مباشراً للأمن العام والدبلوماسية العراقية، داعياً إلى اعتماد آليات صارمة وفعالة للسيطرة على السلاح وضمان احتكاره بيد الدولة.