في وقت تتكرر فيه الضربات الجوية والاستهدافات الصاروخية داخل الأراضي العراقية، وتطال مواقع ومعسكرات ومنشآت رسمية في عدة محافظات، يزداد الجدل بشأن موقف الحكومة التي ما تزال تكتفي ببيانات التحذير والاستنكار دون اتخاذ خطوات عملية لوقف هذه الانتهاكات أيا كان مصدرها. هذا التردد الرسمي يتزامن مع تصاعد القلق الشعبي من اتساع رقعة الحرب في المنطقة، وما قد تجرّه من تداعيات أمنية واقتصادية على بلد يعاني أصلاً من وضع اقتصادي هش وتحديات معيشية متزايدة. وبينما تتوالى الحوادث الأمنية في الأنبار وبغداد وديالى وبابل، يخشى كثير من العراقيين أن تتحول بلادهم مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، في ظل غياب موقف حكومي حازم يضع حداً للانتهاكات ويحمي السيادة الوطنية.
الحكومة لا تملك بدائل
من جانبه، اكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الحرب الدائرة في المنطقة تمثل درساً بالغ القسوة لدول الشرق الأوسط، ولا سيما للعراق، مبيناً أنها كشفت عن وجود ضعف استراتيجي في الجانب التخطيطي وقصور واضح في الرؤية الاقتصادية وإدارة الأزمات.
وقال الهاشمي في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن التطورات الأخيرة "أظهرت افتقار الحكومة إلى بدائل وأدوات فعّالة يمكن توظيفها خلال فترات الأزمات أو المخاطر، الأمر الذي يستدعي العمل بشكل عاجل على إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة المخاطر".
وتتضمن هذه الاستراتيجية خطط طوارئ جاهزة للتعامل مع مختلف السيناريوهات، سواء كانت أزمات اقتصادية أو توترات جيوسياسية أو حتى ظروف الحرب.
وأضاف أن "موقع العراق الجغرافي في منطقة تعج بالصراعات والنزاعات يجعل من الضروري امتلاك خطط استباقية للتعامل مع هذه التحديات"، مشيراً إلى أن "الاستعداد المسبق وإدارة الأزمات بصورة علمية يعدان من الركائز الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني".
ودعا الهاشمي في هذا السياق إلى "تفعيل المشاريع الاقتصادية التي تعطلت خلال السنوات الماضية، لافتاً إلى أن بعضها أُوقف لأسباب شعبوية أو لاعتبارات لا تخدم المصلحة الوطنية، رغم أهميتها في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتنويع موارد البلاد".
كما شدد في الوقت ذاته على أهمية تنويع منافذ تصدير النفط العراقي عبر إنشاء أو تطوير خطوط أنابيب جديدة، إضافة إلى البحث عن شركاء دوليين لإنشاء مخازن واحتياطيات نفطية استراتيجية خارج منطقة الشرق الأوسط، في آسيا أو أميركا اللاتينية، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة العراقي وتقليل المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وأشار ايضاً إلى ضرورة تطوير الشراكات الاقتصادية واللوجستية مع دول المنطقة، وتكثيف الاتفاقيات الاستراتيجية التي تسهم في تسهيل حركة التجارة وعبور البضائع، مبيناً أن دول مجلس التعاون الخليجي مثلاً نجحت في تفعيل اتفاقياتها البينية وإنشاء شبكة لوجستية فعّالة تربط البحر الأحمر بمختلف الوجهات في الخليج العربي.
واتم حديثه بالقول إن العراق، نتيجة لسياسات حكومية سابقة وصفها بغير الموفقة، يجد نفسه اليوم شبه معزول اقتصادياً عن محيطه الاقليمي، ما يجعل من الضروري إعادة بناء العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار وتعزيز التكامل الإقليمي بما يخدم المصالح الاقتصادية العراقية
استهجان المواقف الحكومية
من جهته، قال المحلل السياسي والاكاديمي جاسم الموسوي إن الحكومة أظهرت تردداً واضحاً في تعاملها مع الانتهاكات التي تستهدف العراق، باعتبار ان لديها هواجس من الموقف الامريكي، موضحاً ان تحذيرها واستنكارها لا يكفي، وأن دورها يتطلب اتخاذ خطوات فعلية على الصعيد الدولي.
واضاف الموسوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الحكومة متخوفة من الموقف الأمريكي وتخشى أن يُحسب العراق بالجانب الايراني"، مضيفاً أن هذا التردد جعلها تتخلف عن أداء دورها الحقيقي.
وعن الموقف الحكومي إزاء الانتهاكات والقصف المتكرر، قال: يجب الا تكتفي بالاستنكار، بل عليها تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن ضد الخروقات والتدمير والقتل الذي تمارسه أمريكا والكيان الصهيوني في العراق .
ورأى أن العراق في قلب الحدث وأن الشعب وما يتعرض له البلد لا ينتظر موقفاً سياسياً معتدلاً، بل موقفاً جاداً وحازماً تجاه الدماء التي تُزهق.
وأشار إلى أن الأجواء العراقية مستباحة، وأن هناك سخطاً واسعاً نتيجة صمت الحكومة، مشدداً على أن الحكومة مُلزمة بتحمل مسؤولياتها كاملة، وأن عليها أن تتخذ مواقف شجاعة دون تردد.
وأضاف الموسوي أن الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة مثل بريطانيا وفرنسا لم يتحالفوا معها ووجهوا انتقادات أيضاً، متسائلاً عن سبب صمت الحكومة العراقية، معتبراً أن هذا الصمت لن يصب في مصلحة مستقبل الكثير من قياداتها الفاعلة التي جاءت من خلال الانتخابات الى البرلمان.
استهداف مواقع للحشد الشعبي
في محافظة الأنبار، أفاد مصدر أمني بأن طيراناً لم تُحدد هويته، يُعتقد أنه أمريكي، نفذ ضربة جوية استهدفت مقراً تابعاً للحشد الشعبي في قضاء القائم قرب الشريط الحدودي مع سوريا.
ووفقاً للمصدر، فإن الضربة أسفرت عن أضرار مادية في الموقع المستهدف، من دون توفر حصيلة دقيقة بشأن الخسائر البشرية، فيما فرضت القوات الأمنية طوقاً أمنياً حول المكان وفتحت تحقيقاً لمعرفة ملابسات الهجوم.
وفي محافظة نينوى، تعرض موقع تابع للواء 21 في الحشد الشعبي داخل منشأة جابر بن حيان قرب سد بادوش شمالي الموصل لضربتين جويتين استهدفتا خزانات وقود داخل الموقع.
وأسفر القصف عن إصابة ثلاثة من منتسبي الحشد بجروح متفاوتة، فضلاً عن احتراق أحد خزانات الوقود الذي يحتوي على البنزين وزيت الغاز قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من السيطرة على الحريق. وتم نقل المصابين إلى المستشفى الجمهوري في الموصل لتلقي العلاج.
انفجار في جرف الصخر
وفي محافظة بابل، أعلنت خلية الأزمة الإعلامية إصابة ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة جراء انفجار وقع في منطقة جرف الصخر عند الساعة السادسة صباحاً.
وأوضحت الخلية أن الانفجار تسبب بعصف في محيط الموقع المستهدف، ما أدى إلى إصابة الأشخاص الثلاثة بجروح طفيفة فقط، حيث تلقوا العلاج وغادروا المستشفى بعد وقت قصير.
وكانت تقارير محلية قد تحدثت عن انفجار كبير استهدف موقعاً للحشد الشعبي في المحافظة، فيما أكد سكان أن دوي الانفجار سُمع في مناطق تقع على أطراف بابل.
ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان خلية الأزمة في بابل عن تعرض منطقة جرف الصخر لضربتين جويتين قبل أن تتراجع لاحقاً عن البيان وتؤكد عدم وقوع أي استهداف.
سقوط طائرة مسيّرة في ديالى
وفي محافظة ديالى، سقطت طائرة مسيّرة مفخخة داخل أرض زراعية في أطراف ناحية العظيم شمالي المحافظة، من دون تسجيل أي خسائر بشرية أو أضرار مادية.
وبحسب مصدر أمني، فإن سقوط الطائرة تسبب بسماع دوي انفجار في محيط المنطقة، فيما توجهت القوات الأمنية إلى الموقع وفرضت طوقاً أمنياً وبدأت التحقيق لمعرفة الجهة التي تقف وراء إطلاقها.
مسيّرة قرب السفارة الأمريكية
وفي بغداد، أفاد مصدر أمني بأن الدفاعات الجوية تعاملت مع طائرة مسيّرة في محيط السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء، ما أدى إلى إطلاق صافرات الإنذار داخل مجمع السفارة.
ويأتي ذلك بعد أن أصدرت السفارة الأمريكية تحذيراً أمنياً دعت فيه مواطنيها إلى مغادرة العراق فوراً وعدم الاقتراب من مبنى السفارة أو القنصلية في أربيل، على خلفية تصاعد التهديدات والهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية وغيرها في البلاد.
هجوم صاروخي على مطار بغداد
وفي تطور آخر، تعرض محيط مطار بغداد الدولي إلى استهداف صاروخي متكرر.
وذكر مصدر أمني أن أربعة صواريخ سقطت في محيط المطار للمرة الثانية خلال يوم واحد، فيما سقط أحد الصواريخ داخل السياج الأمني لسجن الكرخ.
من جهتها، أعلنت خلية الإعلام الأمني أن هجوماً سابقاً بخمسة صواريخ استهدف المطار ومحيطه وأسفر عن إصابة أربعة من موظفي وعناصر أمن المطار، إضافة إلى مهندس بجروح متفاوتة، مؤكدة صدور أوامر بإعفاء آمري القواطع وضباط الاستخبارات المسؤولين عن القاطع الأمني المعني.
نفي وجود قوات أجنبية في سد الموصل
وفي سياق متصل، نفت وزارة الموارد المائية وجود أي قوات أمنية أجنبية داخل سد الموصل، وذلك بعد تهديدات أطلقتها جماعات مسلحة باستهداف السد بزعم وجود قوات أمريكية وإسرائيلية داخله.
وأكدت الوزارة أن القوة المسؤولة عن حماية السد هي قوة عراقية من جهاز مكافحة الإرهاب تعمل بالتنسيق مع القوات الأمنية الأخرى في المنطقة.
وكانت جماعة مسلحة تطلق على نفسها اسم "أصحاب الكهف" قد هددت بقصف موقع السد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في حال عدم إخراج ما قالت إنها قوات أمريكية موجودة هناك.
كما قررت إسبانيا نقل قواتها الخاصة من العراق بشكل مؤقت، في ظل تدهور الوضع الأمني وعدم قدرة القوات المنتشرة أساساً في إطار مهمة محاربة "داعش"، على القيام بعملياتها بشكل آمن، وفق ما أكدت قناة "يورونيوز" الأوروبية.
فيما كشفت مصادر في شركة نفط الشمال الحكومية أن شركة "بي بي" البريطانية سحبت عدداً من موظفيها الأجانب العاملين في مشاريع تطوير الحقول النفطية في كركوك، على خلفية التوترات الأمنية وتداعيات الحرب في المنطقة.
وبالتزامن أعلنت سلطة الطيران المدني، امس الاثنين، تمديد إغلاق الأجواء العراقية أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لمدة 72 ساعة إضافية، كإجراء احترازي مؤقت.