تتزايد المخاوف من تداعيات العدوان الأمريكي ـ الصهيوني على ايران، والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط على العراق، في ظل ارتباط اقتصاده وأمنه بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بإمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز؛ فمع تباطؤ شحنات السلع وتزايد القلق الدولي من تعطّل طرق التجارة والطاقة، يبرز العراق كأحد أكثر الدول عرضة للتأثر بأي اضطراب في المنطقة، نظراً لاعتماده شبه الكامل على عائدات النفط.
وبين تحذيرات الخبراء من صدمة اقتصادية قد تهدد الموازنة والاستقرار المالي، ومخاوف أمنية من احتمال تحول البلاد إلى ساحة للصراع الإقليمي، تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومة على تحييد العراق عن تداعيات المواجهة المتصاعدة، ومنع انزلاقه إلى أزمة مركبة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي.
وبدأت شحنات السلع الزراعية المتجهة إلى الخليج العربي بالتباطؤ أو تغيير مساراتها، فيما علّقت بعض السفن رحلاتها مؤقتاً مع تصاعد المخاوف بشأن سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل السلع والطاقة في العالم.
ما التداعيات الاقتصادية المترتبة؟
في هذا الصدد، حذر الخبير الاقتصادي علي دعدوش من أن استهداف البنية التحتية النفطية في العراق لا يشكل تهديداً محلياً فحسب، بل يمكن أن يطلق زلزالاً اقتصادياً إقليمياً وعالمياً، ناهيك عن ان الدولة تعتمد بشكل شبه كامل على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، حيث تشكل هذه الثروة أكثر من 92 في المائة من دخل الحكومة.
وقال دعدوش في حديث لـ"طريق الشعب"، إنّ المستفيد بشكل غير مباشر من هذه العمليات متعددة المستويات، هو الكيان الصهيوني الذي يسعى استراتيجياً لإضعاف العراق دون الحاجة إلى استهداف مباشر.
وأضاف أن دول الخليج، هي الأخرى، مستفيدة حيث أنها ستحقق مكاسب اقتصادية غير مباشرة من ارتفاع أسعار النفط، كل عشرة دولارات زيادة في سعر البرميل، تحقق أكثر من (30) مليار دولار إضافية لصالح خزائن السعودية وحدها سنوياً.
وأشار دعدوش إلى هشاشة الاقتصاد العراقي البنيوية، موضحاً أن "قدرات التصدير البديلة عبر خطي جيهان التركي والأردن لا تتجاوز (700) الف برميل يومياً، مقابل تصدير يومي يبلغ (3.3) مليون برميل عبر موانئ البصرة وخط هرمز".
وبحسب دعدوش فإن "انقطاع الإنتاج لثلاثة أشهر سيؤدي إلى عجز في الموازنة يتخطى (18) مليار دولار، ويهدد رواتب أكثر من أربعة ملايين موظف حكومي، بالإضافة إلى موجة تضخم حادة وانهيار محتمل لقيمة الدينار العراقي".
وحذر دعدوش من أن "استمرار الحرب سيؤدي إلى انهيار اجتماعي محتمل، حيث يعتمد نحو 70 في المائة من السكان على رواتب الدولة أو الدعم الحكومي المرتبط بالنفط، كما ستتفاقم أزمة الكهرباء لأن التوليد يعتمد على الغاز المصاحب للنفط، فيما يصبح الأمن الغذائي مهدداً بسبب توقف دعم الدولة للسلة الغذائية".
وختم حديثه بالتحذير من "خطورة استمرار الصراع على استقرار العراق"، مؤكداً أن "التداعيات الاقتصادية والاجتماعية ستتفاقم بشكل كبير، وتضع البلاد أمام أزمة مركبة تتطلب تحركاً فورياً للحد من الانهيار المحتمل".
ومن المتوقع أن يسجل النفط الخام أقوى مكاسب أسبوعية له منذ التقلبات الشديدة التي شهدتها جائحة كوفيد-19 في ربيع عام 2020، بعد أن أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى توقف الشحن وصادرات الطاقة عبر مضيق هرمز الحيوي.
وأفادت وكالة "رويترز"، أمس السبت، بأن شركات نفط أجنبية عدة، بدأت بإجلاء موظفيها الأجانب من حقول نفط في العراق إلى الكويت.
يأتي ذلك وسط مخاوف من اتساع دائرة الصراع في المنطقة، حيث ألغى الجيش الأميركي خلال الأيام الأخيرة بشكل مفاجئ تدريبًا عسكريًا كبيرًا كان مقررًا لقيادة وحدة نخبة من المظليين، في خطوة أثارت تكهنات داخل وزارة الدفاع الأميركية بشأن احتمال إرسال قوات برية إلى الشرق الأوسط مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران.
وحذّرت مؤسسات مالية واستشارية من تداعيات محتملة على إمدادات النفط العالمية في حال استمرار الحرب على إيران، مشيرة إلى احتمال توقف جزء كبير من الإنتاج جراء إغلاق مضيق هرمز.
ويمر عبر مضيق هرمز ما يعادل 20% تقريباً من الطلب العالمي على النفط يوميا. ومع إغلاق المضيق فعلياً سبعة أيام، فهذا يعني أن نحو 140 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل حوالي 1.4 يوم من الطلب العالمي، لم تتمكن من الوصول إلى السوق.
وضع العراق في صراع الشرق الأوسط
من جهته، قال الخبير الأمني سيف رعد إن العراق يواجه تحدياً خطيراً يتعلق بقدرة الدولة على احتكار القرار السيادي والسياسي وقرار السلم والحرب، مشيراً إلى أن التطورات الأمنية الأخيرة أظهرت بوضوح محدودية قدرة الحكومة على ضبط المشهد الأمني ومنع انزلاق البلاد الى صراعات إقليمية.
وأضاف رعد في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الإدارة الأمريكية كانت قد أكدت في بداية التصعيد العسكري في المنطقة ضرورة أن تضطلع الحكومة بدورها في إيقاف نشاط الفصائل المسلحة ومنع تحول العراق إلى طرف في الصراع، إلا أن الوقائع الميدانية خلال الأيام الماضية تشير – بحسب تقديره – إلى أن الحكومة لم تتمكن من فرض سيطرتها الكاملة على مجريات الأحداث.
وبيّن أن "الهجمات التي استهدفت مواقع مختلفة، من بينها مرافق في أربيل والبصرة ومحيط مطار بغداد الدولي، فضلاً عن استهداف قواعد عسكرية ومنشآت نفطية وشركات أجنبية، تعكس حالة من الاختلال الأمني وعدم القدرة على منع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف إقليمية ودولية".
وأضاف أن "الحكومة لم تنجح كذلك في تحييد العراق عن القصف المتبادل أو منع استخدام أراضيه في إطلاق هجمات خارج حدوده"، لافتاً إلى أن "تقارير أمنية تحدثت عن العثور على منصات إطلاق صواريخ استُخدمت لاستهداف مواقع في منطقة الخليج، من بينها قواعد عسكرية في الكويت، وهو ما يعزز المخاوف من تحول العراق إلى جزء مباشر من الصراع الدائر في المنطقة".
وحذر رعد من أن "استمرار هذا الوضع قد يضع البلاد أمام منزلق أمني خطر قد يقود إلى حالة من الفوضى الداخلية يصعب السيطرة عليها، خاصة إذا استمرت الفصائل المسلحة بالتحرك خارج إطار الدولة".
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً عسكرياً محتملاً خلال الأيام القادمة، قد يشمل ضربات أمريكية أو حتى إسرائيلية تستهدف مواقع أو قيادات مرتبطة بتلك الفصائل، في حال استمرت الهجمات ولم تتمكن الحكومة من إيقافها.
وأشار إلى أن "هذا الفشل الأمني قد ينعكس أيضاً على طبيعة العلاقة السياسية بين بغداد وواشنطن"، موضحاً أن "الولايات المتحدة قد تعيد النظر في طريقة تعاملها مع الحكومة العراقية مستقبلاً، سواء على مستوى الضغط السياسي أو توسيع نطاق التأثير في القرار السياسي العراقي".
وتوقف رعد عند ما وصفه بالتناقض القائم في الخطاب السياسي لبعض القوى، مبيناً أن "بعض الأطراف تعلن دعمها للحكومة وإجراءاتها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك أذرعاً مسلحة متهمة بتنفيذ هجمات عسكرية".
وبحسبه فان الخطر الأكبر "يتمثل في احتمال تحول العراق إلى ساحة حرب متقدمة لصراعات القوى الإقليمية والدولية"، موضحاً أن هذا السيناريو "قد يأخذ أكثر من شكل: تنفيذ عمليات عسكرية خاصة أو إنزالات محدودة تستهدف قيادات أو مقرات للفصائل المسلحة داخل الأراضي العراقية، أو استخدام الأراضي العراقية كساحة عمليات لتنفيذ هجمات متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران".
وتابع أن مثل هذه السيناريوهات "تعني عملياً جرّ العراق إلى قلب الصراع الإقليمي وتحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية خطيرة ويهدد الاستقرار الداخلي"، داعيا الأجهزة الأمنية والمؤسسات الدستورية الى "التحرك العاجل لمنع تفاقم الأزمة".
وطالب رعد مجلس القضاء الأعلى والسلطة التشريعية بـ"القيام بدورهما الرقابي والتشريعي في مواجهة التحديات الراهنة، وعدم الاكتفاء بالمواقف الصامتة إزاء ما يجري".
وخلص الى التأكيد على ضرورة أن "تضع الحكومة استراتيجية أمنية شاملة، قائمة على أسوأ السيناريوهات المحتملة، وتتضمن خططاً واضحة لمنع تحويل العراق إلى ساحة حرب متقدمة، والعمل على تحييد البلاد عن الصراع الإقليمي، بما يضمن حماية النظام السياسي وأمن المواطنين وممتلكاتهم".
وشرعت الأجهزة الأمنية والعسكرية بتطبيق خطة حازمة لترسيخ أمن العراق وسيادته وفرض سلطة القانون، شملت تعزيز الانتشار العسكري في المناطق الحدودية والاستراتيجية.
وتهدف هذه الإجراءات، التي أعلنتها خلية الإعلام الأمني، إلى منع استغلال الأراضي العراقية منطلقاً لأي تهديدات إقليمية، مع تشديد القبضة الاستخبارية لضمان الاستقرار ومنع أي نشاطات خارج إطار الدولة.
وقال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن في تصريح صحفي، أن "الإجراءات تضمنت أيضاً تكثيف الجهد الاستخباري من خلال التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية لرصد أي محاولات لاستغلال الأراضي العراقية أو القيام بأعمال تهدد الأمن والاستقرار، وتفعيل العمل المشترك بين تشكيلات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية كافة ضمن قيادة العمليات المشتركة لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي خرق أمني".
عجز حكومي
إلى ذلك، قال الناشط السياسي يعقوب الحساني إن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأيام السبعة الماضية من التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كشفت مجدداً هشاشة الواقع السياسي والأمني في العراق، وعجز الحكومات المتعاقبة عن بناء دولة مؤسسات قادرة على حماية سيادتها واتخاذ قرارات مستقلة.
وأوضح الحساني في حديث مع "طريق الشعب"، أن ما كشفه هذا النزاع هو ان "العراق، رغم مرور كل تلك السنوات والتجارب لكنه ما يزال حتى الآن يفتقر إلى رؤية دولة حقيقية قائمة على مؤسسات راسخة تقود البلاد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً".
وبين أن القوى السياسية "لم تتمكن من الانتقال إلى مرحلة بناء دولة قوية تمتلك قراراً سيادياً واضحاً وعلاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي"، مضيفا أن "الفساد الإداري والمالي يعد أحد أبرز العوامل التي أضعفت مفاصل الدولة العراقية، ولا سيما في القطاعين العسكري والاقتصادي، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة البلاد في مواجهة التحديات الأمنية".
وفي سياق حديثه عن المشهد السياسي، لفت الحساني إلى وجود تناقض واضح في مواقف بعض القوى السياسية، خصوصاً داخل الإطار التنسيقي، موضحاً أن هذه القوى تعلن دعمها للحكومة ومؤسسات الدولة، لكنها في الوقت ذاته تمتلك أذرعاً مسلحة تنفذ هجمات على الأمريكان داخل وخارج العراق.
وقال إنّ هذا التناقض "يضع تلك القوى في حالة حرج سياسي كبير، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية مهمة"، مبيناً أن "بعض الأطراف تتصرف أحياناً كقوى سياسية تدير الدولة، وفي أحيان أخرى تقدم نفسها كقوى مقاومة، عندما تقتضي المصالح السياسية أو الشعبية ذلك".
وشدد الحساني على أن "ما شهده العراق مؤخراً من هجمات وصواريخ واستهدافات لمنشآت حيوية وحقول نفط يعكس خللاً واضحاً في ضبط السلاح خارج إطار الدولة"، مؤكداً أن "مسؤولية هذا الوضع تقع بالدرجة الأولى على الإطار التنسيقي الذي يمتلك نفوذاً على تلك الفصائل".
وأضاف أن غالبية العراقيين تدرك أن "الفصائل التي تعلن تنفيذ عمليات عسكرية تحت عنوان المقاومة ترتبط سياسياً بالإطار التنسيقي، الأمر الذي يحمّل هذه القوى مسؤولية مباشرة في حال عدم ضبط نشاط تلك الجماعات وإخضاعها لقرارات الدولة".
وختم الحساني تصريحه بالتأكيد على أن "استمرار هذا الوضع يهدد سيادة الدولة ويمنح القوى المعادية المبررات لاستهداف العراق وشعبه"، داعياً إلى ضرورة "فرض سلطة القانون، بما يضمن حماية البلاد من الانجرار اكثر في هذا الصراع".
وفي السياق، أكدت قيادة قوات الحدود العراقية، امس السبت، فرض سيطرة أمنية دقيقة وشاملة على كافة حدود البلاد مع دول الجوار، معلنةً خلوّ الشريط الحدودي من أي عمليات تسلل أو تهريب، بفضل استراتيجية أمنية متكاملة تعتمد على التحصينات الميدانية ومنظومات المراقبة الحديثة.
وقال قائد قوات الحدود الفريق محمد سكر، في تصريح صحفي إن “الحدود مع الجانب السوري، والتي يبلغ طولها 620 كم، مؤمنة بشكل كامل وعلى مستوى عال من الضبط، ولا يوجد أي تسلل أو تهريب أو تهديد من الجانب السوري، بفضل التحصينات الكبيرة ومنظومات المراقبة المتطورة”.
احترام سيادة الدول والقانون الدولي
وناقش ائتلاف إدارة الدولة، امس السبت، عبر اتصالات بين أعضائه، التطورات الإقليمية الخطيرة وانعكاساتها على العراق وأمنه واقتصاده، مشددا على ضرورة عدم انجرار العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، رافضاً أن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقاً لأي اعتداء على دول الجوار.
ودان الائتلاف جميع الهجمات التي تمس السيادة العراقية أو تستهدف المدنيين، داعياً إلى محاسبة المسؤولين عنها، ومؤكداً رفض استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في أي أعمال عدائية، مؤكدا دعمه لمؤسسات الدولة والقوات المسلحة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الحدود وصون السيادة.
ودعا إلى وقف فوري للحرب والعودة إلى الحوار والدبلوماسية، مطالباً الأطراف الإقليمية والدولية بالعمل على تهدئة الأوضاع واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.