في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وبينما كانت قنوات التفاوض مفتوحة بين واشنطن وطهران، شنّت الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، عدوانا عسكريا واسعا استهدف العمق الإيراني، في تصعيد غير محسوب المخاطر، تجاوزت تداعياته حدود الجغرافيا الإيرانية إلى مجمل دول الشرق الأوسط.
عدوان في ظل المفاوضات
العدوان المشترك من قبل أمريكا ودولة الاحتلال، جاء في وقت كانت فيه طهران وواشنطن في خضم مسار دبلوماسي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن الحملة “الضخمة والمستمرة” تستهدف تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، والقضاء على برنامجها النووي وصناعاتها الصاروخية والبحرية، بل ودعا صراحة إلى تغيير نظام الحكم بعد انتهاء العمليات.
في المقابل، اعتبرت الخارجية الإيرانية أن الهجوم يشكّل “انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة وعدوانًا مسلحًا سافرًا”، مؤكدة أن الرد حق قانوني مشروع وفق قواعد القانون الدولي، مشددة على أن طهران دخلت المفاوضات لإقامة الحجة أمام المجتمع الدولي، لكنها باتت اليوم أمام أولوية “الدفاع عن الوطن”.
الهجمات طالت العاصمة طهران ومدنًا عدة، واستهدفت مقرات حكومية وعسكرية، بينها المجمع الرئاسي ومواقع عسكرية حساسة مثل بارتشين (موقع عسكري مهم جدا يقع جنوب العاصمة)، إضافة إلى أجزاء من وزارة الخارجية.
كما أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق عملية “الوعد الصادق 4” ردًا على الهجوم، مستهدفًا قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بينها مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد في قطر والإمارات والكويت، إضافة إلى إطلاق موجات من الصواريخ باتجاه دولة العدوان.
العراق يرفض منطق الحرب والعدوان
ترأس رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، أمس السبت، اجتماعاً للقيادات العسكرية والأمنية في مقر قيادة العمليات المشتركة، لتأكيد موقف العراق الرافض لمنطق الحرب والعدوان بكل أشكاله.
وحذر الاجتماع، بحسب بيان حكومي، من عواقب العدوان السافر الذي طال عدداً من المواقع العراقية، وأدّى الى ارتقاء عدد من الشهداء، وحدوث إصابات مختلفة. واستنكر الاعتداء غير المسوغ الذي تتعرض له ايران، وكل ما يطال شعبها وسيادتها ومؤسساتها الدستورية.
وجدد الاجتماع التحذير من المساس بسيادة العراق وأجوائه وأراضيه، أو توظيفها كممر أو منطلق للاعتداء على إيران، مثلما يرفض أن تكون أراضي بلادنا أو مياهها الإقليمية سبباً لزج العراق في الصراع، وستلجأ الحكومة الى كل الوسائل التي يتيحها القانون والأعراف الدولية لحماية أمنه واستقراره وسيادته.
وأكد الاجتماع موقف العراق بضرورة الإيقاف الفوري للأعمال العسكرية، واللجوء الى الحوار، والوسائل السلمية التي يتيحها القانون الدولي، لحل المشكلات الدولية.
اتساع رقعة النار إقليميًا
ردّ إيران شمل استهداف مواقع في دول خليجية، ما دفع حكومات الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت إلى إعلان التصدي للصواريخ وإدانة الهجمات، مع تأكيد حقها في الرد وفق القانون الدولي. كما أعربت السعودية عن تضامنها مع هذه الدول، محذّرة من العواقب الوخيمة لاستمرار التصعيد.
في العراق، رُصدت طائرات وصواريخ تعبر الأجواء بالتزامن مع الضربات، ما يعكس هشاشة المجال الجوي العراقي وتحوله إلى ساحة عبور في صراع إقليمي مفتوح، فيما أعلنت الأردن إسقاط صواريخ استهدفت أراضيه.
المعطيات حتى الان تشير إلى أن المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، لن تبقى محصورة بين الأطراف المباشرة، بل ستطال دول المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
التصعيد الحالي يهدد بنسف ما تبقى من منظومة الأمن الإقليمي، ويضع الملاحة في الخليج، وأسواق الطاقة، واستقرار الدول الهشة، أمام مخاطر جدية. كما أن استهداف منشآت مدنية وبنى تحتية دفاعية يفتح الباب أمام ردود فعل متدحرجة يصعب احتواؤها.
العراق في قلب العاصفة
لم يكن العراق بعيداً عن نيران المواجهة؛ فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة، أمس السبت، تعرض منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل لعدة ضربات جوية عند الساعة 11:50 صباحاً، أسفرت عن استشهاد شخصين وإصابة ثلاثة، في حين أشارت مصادر إلى أن القصف استهدف مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
وفي إقليم كردستان، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب أن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة اعترضت وأسقطت صواريخ وطائرات مسيّرة في أجواء أربيل، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية.
وعلى مستوى الفصائل المسلحة، أعلنت كتائب “حزب الله” عزمها البدء بمهاجمة القواعد الأميركية رداً على ما وصفته بالاعتداء، فيما أعلنت حركة النجباء انخراطها في المواجهة، كما أعلنت كتائب “سيد الشهداء” دخولها الحرب وجاهزيتها للرد.
سياسياً، دعا عضو مجلس النواب كريم عليوي المحمداوي، إلى عقد جلسة طارئة وفورية لمجلس النواب لبحث تداعيات الهجوم الأميركي–الإيراني والتصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، وانعكاساته المحتملة على العراق.
وقال المحمداوي في بيان، إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً وطنياً موحداً يستند إلى حماية السيادة العراقية وصون أمن البلاد واستقرارها، مشدداً على ضرورة انعقاد المجلس بشكل عاجل لمناقشة التطورات الأخيرة وتحديد الموقف الرسمي إزاء الحرب الدائرة في المنطقة.
وأضاف أن جدول أعمال الجلسة المقترحة ينبغي أن يتضمن بحث مسألة استخدام الأجواء العراقية في العمليات العسكرية، فضلاً عن مناقشة ما يتعلق بالاستهداف الأميركي لقوات الحشد الشعبي، وبما ينسجم مع مسؤولية الدولة في حماية أراضيها وأجوائها.
وأكد المحمداوي أن مجلس النواب، بوصفه ممثلاً للشعب، معنيّ بتحمل مسؤولياته الدستورية في مثل هذه الظروف الحساسة، بما يضمن تحييد العراق عن أتون الصراعات الإقليمية والحفاظ على قراره الوطني المستقل، بعيداً عن أية تجاذبات أو ضغوط خارجية، وترسيخ مبدأ احترام السيادة الوطنية كخط أحمر لا يمكن المساس به.
سيناريوهات مفتوحة
من جهته، أكد المحلل السياسي علي البيدر أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو “سيناريوهات مفتوحة” في ظل تصاعد التوترات والعدوان على إيران، مشيراً إلى أن ما يجري يمثل “مواجهة وجودية” بالنسبة إلى كل الأطراف، والتي يسعى كل منها إلى فرض نفوذها وترتيب موازين القوى في المنطقة.
وأوضح البيدر في حديثه مع “طريق الشعب”، أن ملامح الشرق الأوسط قد يُعاد رسمها “من خلال فوهات الصواريخ”، محذراً من أن ما يُرسم بالحروب لا يمكن أن ينتج سلاماً مستقراً، بل يفضي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وفي ما يتعلق بالموقف العراقي، شدد على ضرورة أن تعتمد بغداد سياسة أكثر براغماتية في التعامل مع التطورات، مؤكداً أن العراق لا يستطيع الانحياز إلى أي طرف في هذه المرحلة الحساسة، بل يتعين عليه تحصين سيادته ومنع استهداف أراضيه، داعياً الدولة إلى التحرك بعمق أكبر لتفادي الانزلاق إلى دائرة الصراع.
وفي قراءته لمسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، رأى البيدر أن مسار الأحداث كان يُتوقع أن يتجه نحو التصعيد خلال أسابيع، إلا أن التطورات المتسارعة تشير إلى أن القرارات كانت قد حُسمت مبكراً، وأن التحركات العسكرية، ولا سيما البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، تتجاوز إطار الاستعراض إلى مهام قد تكون معقدة وشاقة.
وفي ما يتعلق بمآلات الصراع، أوضح أن النتائج ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة إيران على الصمود، مشيراً إلى أنها دولة ذات مساحة واسعة وعقيدة واستراتيجية واضحة، ولديها شبكة حلفاء وداعمين، ولا سيما من القوى الشرقية.
وتساءل عن مدى استعداد تلك الدول لمواصلة دعم طهران عسكرياً وسياسياً، مبيناً أن استمرار الدعم أو توقفه سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة، كما سيتأثر بقدرة الولايات المتحدة على تعطيل خطوط الإمداد والدعم لإيران.
المفاوضات.. تكتيك أمريكي
من جهته، قال الخبير في الشأن الأمني عماد علو إن مسار المفاوضات النووية لم يكن، وفق قراءته، سوى عملية مخادعة استراتيجية، استُخدمت لكسب الوقت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف استكمال الاستعدادات العسكرية والحشد العملياتي تمهيداً لتنفيذ هجوم واسع النطاق على إيران.
وأضاف علو في حديثه لـ“طريق الشعب”، أن طبيعة الضربات وحجمها يعكسان وجود تخطيط مسبق وانفتاح عملياتي مدروس، ما يرجح – بحسب المعطيات الحالية – استمرار الصراع لعدة أيام على الأقل، مع احتمال توسعه تبعاً لطبيعة الردود المتبادلة وسقفها.
ورأى علو أن تداعيات المواجهة ستمتد إلى أمن الطاقة وسلاسل التوريد وحركة التجارة في الخليج. كما حذر من انعكاسات مباشرة على العراق، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، في ظل هشاشة التوازنات القائمة.
العراق في قلب المواجهة الإقليمية.. وتحديات أمنية واقتصادية تتزايد
وأشار إلى أن أي اضطراب في أمن الملاحة أو البنية التحتية للطاقة قد يضاعف الضغوط على اقتصادات المنطقة، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار.
وفي ما يخص الموقف العراقي، شدد علو على ضرورة أن تنحصر مهمة القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار الداخلي، وعدم الانجرار إلى أي مشاركة في الصراع الدائر، محذراً من أن الدخول في المواجهة سيترتب عليه نتائج وخيمة وأضرار كبيرة لبلد يعاني أساساً من وضع اقتصادي مضطرب وعدم استقرار سياسي نتيجة التنافس الحاد على المناصب والنفوذ بين القوى السياسية.
وأكد أن الحكومة مطالبة باتخاذ موقف واضح يجنب البلاد الانخراط في الحرب، خاصة في ظل غياب الإمكانات العسكرية والسياسية التي تؤهل العراق للوقوف إلى جانب أي طرف في ظل تبادل نيران مفتوح.
وختم علو بالقول إن المشهد لا يزال ضبابياً، ومن المبكر تحديد سقوف زمنية لنهاية العمليات العسكرية، إذ إن مسار الميدان ونمط العمليات سيحددان اتجاه التصعيد أو الاحتواء، لكنه أشار إلى أن مؤشرات الخطاب الصادر عن الأطراف المتصارعة توحي بأن الحرب في طور التصاعد، ما يجعل كل الاحتمالات قائمة، داعياً إلى دور دبلوماسي فاعل لاحتواء الأزمة.
العراق.. الأكثر تأثراً بتداعيات التصعيد
بدوره، رأى الخبير الأمني صفاء الأعسم أن ما جرى صباح السبت يمثل الدفعة الأولى من التصعيد العسكري المباشر بين إيران والكيان الصهيوني، بعد أن استهدف عدداً من المواقع داخل إيران، بينها طهران وكرمنشاه وكرج، وفق ما أعلنته مصادر إسرائيلية وأميركية، التي وصفت العملية بأنها ضربة مركزة طالت مواقع محددة وشخصيات وُصفت بالمهمة.
وقال الأعسم في حديث مع “طريق الشعب”، أن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إنهاء المعركة سريعاً لا تنسجم مع الوقائع الميدانية، خصوصاً بعد الرد الإيراني الذي تمثل بإطلاق صواريخ باتجاه حيفا وتل أبيب والمواقع الأميركية المنتشرة في دول المنطقة، ورغم اعتراض عدد من الصواريخ، إلا أن بعضها نجح في اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافه، ما يعكس مستوى تصعيد غير مسبوق.
وأضاف أن التصريحات الإيرانية الأخيرة التي أكدت أن “الطرف الآخر بدأ الحرب لكن طهران من ستُنهيها” تعكس توجهاً نحو إدارة صراع قد يمتد لأسابيع، في ظل غياب مؤشرات واضحة على احتواء سريع للأزمة.
وبحسب الأعسم، فإن العراق من بين أكثر الدول تأثراً بتداعيات التصعيد، سواء على مستوى أمن المجال الجوي أو على الصعيد الاقتصادي، لا سيما في ما يتعلق بسعر صرف الدولار الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً مع بدء التصعيد، كما أن أي توسع في دائرة العمليات قد يضع العراق أمام تحديات إضافية.
وأكد أن الموقف الرسمي العراقي حتى الآن يتسم بالمنطق والحياد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العراق، بحكم علاقاته الاستراتيجية مع طهران ووجود قوى مسلحة ذات ارتباطات خارجية، يبقى عرضة لضغوط معقدة.
إعادة رسم قواعد الاشتباك
وختم بالتنبيه إلى أن التصعيد الحالي يتجاوز كونه تبادلاً تكتيكياً للضربات، ويدخل في إطار إعادة رسم قواعد الاشتباك بين الطرفين، وإذا استمرت الضربات المتبادلة بهذا المستوى، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة استنزاف قد تطول، ما يضع العراق أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الحياد الرسمي، ومنع تحويل أراضيه أو مجاله الجوي إلى ساحة صراع بالوكالة، مع إدارة تداعيات اقتصادية وأمنية قد تتفاقم مع اتساع رقعة المواجهة.
في ضوء كل ما تقدم، فإن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حجم النيران المتبادلة، بل في احتمال انزلاق أطراف إضافية إلى المواجهة. وعليه، تبرز ضرورة أن تُتخذ قرارات الحرب والسلم حصراً عبر المؤسسات الحكومية والدستورية، وعدم إتاحة الفرصة لأي جهة بالمبادرة خارج الإطار الرسمي، حفاظاً على وحدة الموقف الوطني وصون السيادة، ومنع اتساع رقعة الصراع بما يتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.