سياسة واشنطن في العراق بين الحقيقة و الدعابة؟!
لموقع Middle East Monitor كتب كرم نعمة مقالًا حول الاستراتيجية الأمريكية في العراق بعد احتلاله بثلاثة وعشرين عامًا، أشار فيه إلى أنه من الصعب التمييز بين ما إذا كانت مواقف البيت الأبيض الأخيرة تمثل حيادًا تجاه كارثةٍ هو من تسبب بها، أم صحوةً متأخرة، مستدركًا بالقول إن التاريخ لا يسمح بمثل هذا التسامح؛ لأن الولايات المتحدة ليست مجرد متفرج محايد على الانهيار السياسي للعراق، بل هي بمثابة الجرّاح الذي أجرى العملية، ثم ترك المريض ينزف حتى الموت في الظلام، معربًا عن اعتقاده بأن ما تفعله واشنطن اليوم لا يتجاوز الحفاظ على نبضٍ ضعيف في جسدٍ متداعٍ.
عمدًا لا سهوًا
وللتدليل على رأيه، ذكر الكاتب بأن بول بريمر، المسؤول المدني الأمريكي عن العراق عام 2003، لم يكن مجرد موظف بيروقراطي، بل كان المهندس الرئيسي لقرار حلّ الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة وخلق فراغ سياسي وأمني، وهو ما لم يكن خطأً تقنيًا، بل خيارًا متعمدًا، دُمّرت على ضوئه الدولة القديمة دون أي بديل قابل للتطبيق، وقُسِّم المجتمع إلى ما أسموه بـ "المكوّنات"، وسُلِّمت السلطة ببساطة إلى جماعات تدّعي تمثيل هذه المكوّنات، وتنظر إلى العراق كغنيمة لا كدولة، حتى لم يعد السؤال عندئذٍ يتعلق بأسباب فشل هذه الدولة، بل بالمعجزة التي يمكن أن تنجو بها أي دولة مُصمَّمة بهذه الطريقة، على حد تعبيره.
ثم اعترفت واشنطن، على لسان قائد قواتها في العراق الجنرال ديفيد بترايوس، بأن النفوذ الإقليمي اخترق مؤسسات الدولة العراقية "لأن الدولة نفسها كانت غائبة"، ولأن حكومته غضّت الطرف عن توغل الآخرين في البلاد، معتبرةً إياه نتيجةً حتميةً للاحتلال، حتى باتت السلطات الموازية أقوى من الدولة نفسها.
ادعاءات مضحكة
ورغم أن البيت الأبيض، ومنذ إدارة أوباما وحتى الآن، يدّعي حرصه على وجود حكومة مستقلة تمامًا في بغداد، فإن الجميع يأخذ هذا الادعاء كنوع من الدعابة السياسية؛ فكيف يمكن لطرف أن يطالب باستقلال بلدٍ، رغم مسؤوليته عن احتلاله وتجريده من سيادته، وقيامه قسرًا بإعادة بناء نظامه السياسي على أساس المحاصصة؟
وأضاف الكاتب أن واشنطن التي "تحرص" اليوم على خلوّ العراق من الأنشطة الإقليمية "المزعزعة للاستقرار"، هي التي عمدت إلى دعم حكم تحالف قائم على التوزيع الطائفي والإثني للمقاعد، وإلى طمس الهوية الوطنية العراقية لصالح الهوية الطائفية بغية توفير مستلزمات صمود هذا النظام. وأعرب الكاتب عن دهشته وشكوكه من عدم اطّلاع مهندسي هذه السياسة على تصريح المفتش العام الأمريكي الخاص لإعادة إعمار العراق (SIGIR)، الذي وصف هذا النظام بأنه "بيئة مثالية للفساد المستشري والهدر"، وعلى تقرير صحيفة نيويورك تايمز الذي وصف البنك المركزي العراقي بأنه "مصرف للدولارات المهرَّبة"، متوصلًا إلى استنتاج مفاده أن الفساد لم يكن نتيجةً غير مقصودة، بل كان جزءًا من التصميم؛ شبكة مصالح لا دولة، على حد تعبيره.
تهميش صارخ
ووجد الكاتب أن العراق، الذي كان في يوم من الأيام محور اهتمام الأمريكيين، لم يعد أولوية استراتيجية قصوى لهم، بل أصبح عبئًا جيوسياسيًا لا يمكن التخلي عنه أو إصلاحه بشكل فعّال؛ لذا اختاروا إدارة الأزمة لا حلّها، والتحكم في وتيرتها لا تغييرها، والحفاظ على عراق لا يهدد مصالحهم، ولا يقع في قبضة إيران، ولا يكتسب القوة الكافية للخروج من فلك النفوذ الأمريكي؛ عراقٌ معلّق يُدار في منطقة رمادية ، لكنه لا يُشفى. وتوصل المقال إلى أن النتيجة ستكون حتمًا بلدًا فاشلًا لا يُتوقع منه أن يعمل كدولة طبيعية بمؤسساتٍ وقوانين فعّالة.