يتصاعد القلق الرسمي والبيئي في العراق مع تحذيرات من أن الخزين المائي المتوافر قد لا يصمد لأكثر من شهر آب المقبل، في ظل استمرار الجفاف وتراجع الإطلاقات من دول المنبع، مقابل استنزاف داخلي يصل إلى 40 في المئة بسبب التجاوزات وسوء الاستخدام. وبينما تؤكد وزارة الموارد المائية أن البلاد تمر بأشد سنوات الشح، تكشف وزارة الخارجية عن مسارين متوازيين للتعامل مع الأزمة: تكثيف التفاوض مع تركيا لتحديد مفهوم “الحصة العادلة والمنصفة” بشكل ملزم، والانخراط في مشاريع فنية مشتركة لتحسين كفاءة إدارة الموارد، في سباق مع الزمن لتفادي صيف أكثر قسوة على دجلة والفرات.
التجاوزات تستنزف 40 في المائة من المياه
وشخّص مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون المياه، طورهان المفتي، حجم الضرر الناتج عن سوء الاستخدام الداخلي للمياه، مؤكداً أن التجاوزات تستنزف نحو 40 بالمئة من الوفرة المائية للبلاد.
وقال المفتي إن ملف المياه يتطلب محددات داخلية صارمة لمنع الاستغلال المفرط، إلى جانب المسار التفاوضي الخارجي، موضحاً أن إزالة التجاوزات ستضيف كميات جوهرية إلى نهري دجلة والفرات وتضمن وصول المياه إلى مناطق الذنائب في الوسط والجنوب، مشيراً إلى أن تلك التجاوزات مسؤولة عن 40 في المائة من أزمة المياه في العراق.
وأضاف أن الحكومة وجهت الوزارات المعنية بإعداد أرقام دقيقة لآليات الاستهلاك في المرافق الإنسانية والزراعية والصناعية، كاشفاً عن استغلال وزارة الموارد المائية لفترة الهطول المطري الحالية للبدء بعمليات تخزين واسعة للمياه السطحية لضمان ديمومة الإمدادات وتلافي وقوع عجز مائي خلال الأشهر المقبلة، بحسب وكالة الأنباء العراقية.
تراجع الأراضي الزراعية واستمرار الجفاف
وعلى مدى السنوات الماضية، تراجعت نسبة الأراضي الزراعية المستغلة في العراق بسبب شح المياه وقلة تساقط الأمطار والجفاف وتغير المناخ. ووفقاً لتقرير صادر عن مرصد إيكو العراق، فإن 46 في المائة فقط من الأراضي الزراعية يتم استغلالها من أصل 28 مليون دونم صالحة للزراعة.
بدوره، أكد وزير الموارد المائية عون ذياب عبد الله أن العراق يمر حالياً بأشد سنوات الجفاف بسبب التغيرات المناخية والسدود التي أنشأتها تركيا في منابع الأنهار.
وخلال ترؤسه اجتماع خلية الأزمة المركزية لمعالجة شح المياه وإزالة التجاوزات، شدد الوزير، على ضرورة تكاتف جهود جميع المؤسسات لتجاوز الأزمة القاسية التي عصفت بالبلاد، لافتاً إلى أن دول أعالي المنبع استثمرت الموارد المائية في إنشاء مشاريع خزنية وإروائية، ولا سيما في تركيا.
كما أكد أهمية تكثيف الجهود للحفاظ على بيئة النهر ومنع رمي المخلفات الصحية والصناعية فيه حماية لحياة المواطنين والحفاظ على المجرى البيئي.
وأوضح البيان أن الاجتماع تضمن عرضاً تفصيلياً عن الموقف المائي والخزين ومقارنته بالسنوات الماضية، والاستهلاك الفعلي للقواطع على نهري دجلة والفرات، وحساب المساحات وأعداد بحيرات الأسماك ومراقبتها، إلى جانب مخطط يوضح البحيرات المجازة والمعدل الشهري لنسبة التراكيز الملحية على امتداد شط العرب.
خزين ينفد في آب المقبل!
في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تفاقم أزمة المياه في العراق، كشف مرصد مرصد العراق الأخضر، امس الاثنين، أن خزين المياه المتوافر في البلاد يكفي حتى شهر آب المقبل فقط، في ظل ارتفاع معدلات الاستهلاك وضعف الإطلاقات المائية من دول المنبع، محذراً من تداعيات خطيرة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
وقال المرصد، في بيان، إن الأمطار التي هطلت على العراق خلال الموسم الحالي لا يمكن أن تصمد أمام الاستهلاك العالي للمياه في القطاع الزراعي واستخدامات المواطنين لأكثر من شهر آب المقبل، ما يعني أن البلاد قد تواجه ضغوطاً مائية متصاعدة مع نهاية الصيف.
وأوضح أن التوقعات المناخية السابقة كانت تشير إلى أن العام الحالي سيكون رطباً وأقرب إلى عام 2019، الذي عُدّ استثنائياً من ناحية غزارة الأمطار، حيث تمكن العراق آنذاك من خزن كميات كبيرة من المياه واستثمارها لأكثر من سنتين، إلا أن المعطيات الحالية لا تسير في الاتجاه ذاته.
انتقاد لتركيا ودبلوماسية باردة
وأشار المرصد إلى أن تركيا لا تزال مصرة على عدم إطلاق أي كميات إضافية من المياه باتجاه العراق، في موقف وصفه بأنه “سلبي” ولا يمكن أن يكون إلا “عقوبة” على العراق وشعبه، بحسب تعبير البيان.
ولفت إلى أن هناك اتصالا جرى قبل أيام بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تناول أشكال التعاون المختلفة بين البلدين، من دون التطرق إلى ملف إطلاق كميات من المياه من شأنها رفع مناسيب نهري نهر دجلة ونهر الفرات، وتحسين نوعية المياه فيهما، وإنعاش الأهوار، وتعزيز الخزين في السدود والبحيرات.
دعوات لخفض الاستهلاك
وأكد المرصد ضرورة خفض الاستهلاك العالي للمياه في الزراعة عبر استخدام الطرق الحديثة للري، واستثمار كميات الأمطار التي هطلت أو ستهطل خلال هذا العام والأعوام المقبلة، محذراً من استمرار هدر المياه بشكل غير صحيح.
ونبه إلى وجود مشروع لربط العدادات الذكية للمواطنين في مناطق محددة من بغداد على سبيل التجربة، قبل تعميمها على بقية مناطق العراق، بهدف تقنين الاستهلاك، فضلاً عن استخدام التقنيات الحديثة والمرشات في الزراعة، حيث بلغت المساحات المروية بهذه التقانات نحو ثلاثة ملايين وخمسمئة ألف دونم.
الخارجية: مساران لضمان الحصة العادلة
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية اعتماد مسارين لضمان حصة عادلة ومنصفة من المياه، مؤكدة وجود تعاون فني ومشاريع مشتركة مع تركيا لتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية.
وقال وكيل الوزارة هشام العلوي، في تصريح صحفي، إن هناك مجموعة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم بين العراق وتركيا بشأن المياه، من بينها اتفاقية عام 1946 التي تضمنت فقرات تتعلق بتنظيم الموارد المائية.
وأشار إلى أن اتفاقية تركيا مع سوريا عام 1987 بشأن نهر الفرات تضمنت ضمان تزويد سوريا بحصة مائية عند نقطة الدخول لا تقل عن 500 متر مكعب في الثانية، مبيناً أن هناك اتفاقاً بين العراق وسوريا يقضي بحصول العراق على 58 في المائة من هذه الموارد مقابل 42 في المائة لسوريا.
وأوضح العلوي، أن الإشكالية الأساسية تكمن في نهر دجلة، الذي يعد الأهم بالنسبة للعراق من حيث حجم الموارد المائية، لافتاً إلى أن مذكرة التفاهم الموقعة بين بغداد وأنقرة نهاية عام 2014 نصت على أن الجانب التركي يضمن للعراق حصة عادلة ومنصفة من المياه.
وبيّن أن مفهوم “الحصة العادلة والمنصفة” لم يُحسم خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، سواء كان المقصود بها حجماً لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية كما في اتفاقية سوريا مع تركيا، أم نسبة مئوية محددة، مؤكداً أن البلدين بحاجة إلى حسم هذا الأمر بصورة واضحة.
وأضاف أن العراق لديه قلق متزايد من تراجع حجم الموارد المائية، نتيجة المشاريع المقامة على المنابع، فضلاً عن تأثيرات التغير المناخي والنمو السكاني والحاجة إلى استخدام نسبة كبيرة من المياه لأغراض الزراعة.
وأوضح أن الحكومة تعمل عبر مسارين متوازيين: الأول تكثيف المفاوضات مع تركيا للتوصل إلى تحديد واضح للحصة العادلة والمنصفة، سواء كنسبة مئوية أو كحد أدنى من الإطلاقات عند نقطة الدخول إلى العراق. والثاني تبادل المعلومات وتنفيذ مشاريع مشتركة لتحسين كفاءة استخدام المياه بما يحقق مصلحة البلدين ويوفر فرص عمل ويتيح استثمارات للشركات التركية، ويساعد العراق في تطوير قطاع الموارد المائية والزراعة.