بين تحذيرات أممية متصاعدة، وشهادات ميدانية تكشف حجم الكارثة، تتجه أهوار جنوب العراق، المُدرجة على لائحة التراث العالمي منذ عام 2016، نحو واحدة من أخطر مراحلها، مع تصاعد الجفاف، وتراجع الإمدادات المائية، وتفاقم الضغوط البيئية الناجمة عن سوء الإدارة والتوسع في الأنشطة النفطية.
ولم تعد تداعيات الأزمة محصورة في تدهور النظام البيئي والتنوع الأحيائي، بل امتدت لتطال سبل عيش آلاف العائلات، وتدفع بموجات نزوح متزايدة من مناطق كانت لقرون موطناً لأنماط حياة متجذرة في الطبيعة. وفي ظل اتهامات بتقصير حكومي وضعف في الرقابة على الشركات العاملة، تتعالى الدعوات اليوم للانتقال من الاعتراف الدولي إلى إجراءات وطنية عاجلة تضمن حماية هذا الإرث الطبيعي ومنع اندثاره.
نزوح 170 ألف شخص
وحذر المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق، غلام محمد إسحق زي، من أن أهوار جنوب العراق، المُدرجة على لائحة التراث العالمي منذ عام 2016، تواجه خطر التلاشي بسبب التغير المناخي وشح المياه وضعف الإدارة المستدامة، مؤكداً أن الأزمة لم تعد بيئية فقط بل تحولت إلى أزمة إنسانية واقتصادية.
وأشار إلى تراجع أعداد الجاموس بأكثر من 76 في المائة وانهيار شبه كامل لقطاع الصيد، إلى جانب تعطل واسع في محطات المياه، ما دفع أكثر من 170 ألف شخص للنزوح منذ عام 2018. ورغم وجود برامج دولية لدعم الاستعادة والتكيف، شدد إسحق زي على أن الجهود ما تزال غير كافية، داعياً إلى تأمين المياه بشكل مستدام، وتنويع سبل العيش، وتمكين المجتمعات المحلية، خصوصاً النساء والشباب، مع الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ الفعلي لحماية هذا الإرث الإنساني.
الجفاف يكتب قصة رابعة
من جهته، قال الخبير البيئي أحمد صالح نعمة إن الأهوار العراقية شهدت جفافا شبه كامل لمرات عدة خلال السنوات الثمان الماضية، منذ إدراجها على لائحة التراث العالمي عام 2016، محذرا من تدهور خطير في النظام البيئي والتنوع الأحيائي في البلاد.
واضاف نعمة لـ "طريق الشعب"، أن الأهوار جفت بالكامل نحو أربع مرات، أبرزها في أعوام 2017 و2021 و2023 و2025، مشيرًا إلى أن السبب الرئيس يعود إلى سوء إدارة الموارد المائية في العراق، ولا سيما من قبل وزارتي الموارد المائية والزراعة.
وبين أن القطاع الزراعي يستهلك ما بين 70 إلى 75 في المائة من المياه المتاحة، مع هدر كبير في الاستخدام، دون مراعاة المتطلبات البيئية أو الحفاظ على التنوع البيولوجي، الأمر الذي انعكس سلبا على استدامة الأهوار.
وأضاف أن النظام البيئي في مناطق الأهوار تعرّض لتدهور شبه كامل، لاسيما في محافظة ميسان، التي فقدت أهوارها أربع مرات خلال ثماني سنوات بنسبة جفاف وصلت إلى 100 في المائة.
ودعا نعمة إلى تدخل عاجل، مؤكداً أهمية الاستجابة للتحذيرات الأممية واتخاذ سياسات مائية مستدامة توازن بين الاحتياجات الزراعية وحماية البيئة، لضمان بقاء الأهوار العراقية ومنع اندثارها نهائي.
وزارة النفط لا تلتزم بالتوصيات!
وحذر مصطفى هاشم، ناشط بيئي من سكان الأهوار، يقدم محتوىً يسلط الضوء على ابرز الانتهاك والتجاوزات التي تتعرض لها الاهوار في ميسان، جنوب العراق، نتيجة لما وصفه بسوء الإدارة البيئية وتجاهل الالتزامات القانونية من قبل شركات نفطية عاملة في المنطقة، إلى جانب ضعف الرقابة الحكومية.
وقال هاشم لـ"طريق الشعب"، إن شركة أجنبية تدير معظم الحقول النفطية شرق مدينة العمارة، ولا سيما في منطقة الطيب الحدودية مع إيران، "لا تلتزم بالمحددات والاشتراطات البيئية المعتمدة، ما يؤدي الى دمار الاهوار وجفافها وانهائها".
وأوضح أن الإجراءات البيئية المتبعة في حال حدوث تسرب نفطي تفرض رفع التربة الملوثة (الرماد) ونقلها إلى مواقع مخصصة وبعيدة لمعالجتها، إلا أن ما يحدث فعليا – بحسب قوله – هو طمر المخلفات النفطية في مواقعها، وهو ما يشكل خطرًا بيئيًا أكبر من تركها على السطح، لما يسببه من تلوث طويل الأمد للتربة والمياه الجوفية.
وأضاف هاشم: "تحدثتُ مع ممثلين عن وزارة البيئة، وأكدوا لي حرفيا أن لديهم دراسات للأثر البيئي وتوصيات واضحة تخص هذه الحقول، لكن وزارة النفط لا تلتزم بها، ولا توجد جهة قادرة على محاسبتها، كونها تُعد من أقوى الوزارات".
وأشار إلى أن استمرار هذا النهج، في ظل غياب المساءلة وضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية، ينذر بعواقب وخيمة على الأهوار، التي تُعد من أهم النظم البيئية في العراق والعالم، والمُدرجة على لائحة التراث العالمي.
وختم بالتحذير من أن أهوار ميسان تتجه نحو أسوأ وضع إداري وسياسي ومائي، في حال لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإلزام الشركات النفطية بالمعايير البيئية، وتفعيل دور الجهات الرقابية، وحماية هذا الإرث الطبيعي من التدهور المستمر.
تهديد للأمنين الغذائي والاجتماعي
من جهته، قال رئيس لجنة التصحر في مجلس محافظة ذي قار، حيدر سعدي، إن أكثر من ١٠ آلاف عائلة أُجبرت على ترك مناطقها والتوجه نحو ضفاف الأنهار أو مراكز المدن، نتيجة تفاقم الجفاف واستمرار شح المياه، فيما سجل نفوق أكثر من 14 ألف رأس من الجاموس، الذي يشكل المصدر الرئيس لدخل سكان الأهوار.
وأوضح سعدي لـ"الطريق الشعب" أن تداعيات الأزمة تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة، لتتحول إلى تهديد للأمنين الغذائي والاجتماعي في جنوب العراق، مع تخلي الصيادين عن مهنتهم التقليدية التي توارثوها عبر الأجيال، ولجوء عدد كبير من الأهالي إلى أعمال هامشية في المدن بعد فقدان مواردهم الطبيعية.
ودعا إلى تحرك حكومي عاجل لوضع خطط طارئة تهدف إلى إنقاذ ما تبقى من بيئة الأهوار، عبر تأمين حصص مائية كافية، وتعويض العائلات المتضررة، وإطلاق برامج لدعم استقرار السكان المحليين والحد من موجات النزوح المتواصلة، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى آثار بيئية واجتماعية بالغة الخطورة يصعب احتواؤها لاحقاً.
وأشار سعدي إلى أن الأهوار، المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، تمثل إرثاً طبيعياً وثقافياً لا يخص ذي قار وحدها، بل العراق بأسره، مؤكداً أن فقدانها سيشكل خسارة وطنية كبرى تتطلب إجراءات فورية وجادة لضمان استدامة هذا النظام البيئي وحماية أنماط الحياة المرتبطة به.