اخر الاخبار

أعادت حادثة تحرش جماعي بإحدى الفتيات في محافظة البصرة، جرى توثيقها عبر مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، النقاش الى الواجهة مجددا حول أمان النساء في الأماكن العامة، وحدود المسؤولية القانونية والمجتمعية في مواجهة هذه الانتهاكات، وسط موجة غضب واسعة ومطالبات بمحاسبة المتورطين وعدم الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية.

وأظهر المقطع، الذي انتشر خلال الايام الماضية، تعرض فتاة لمضايقات وتحرش من قبل مجموعة من الشبان في أحد الأماكن العامة، في مشهد أثار صدمة واستياء واسعين، ودفع ناشطين وناشطات ومنظمات حقوقية إلى التحذير من تصاعد هذه الظواهر، في ظل ضعف الردع وغياب الإجراءات الوقائية الفاعلة.

وتباينت ردود الفعل الشعبية إزاء الحادثة، بين مطالبات واضحة بفرض القانون ومحاسبة الجناة، وانتقادات حادة للخطاب الذي يلقي باللوم على الضحية أو يبرر الاعتداء تحت ذرائع اجتماعية أو دينية، معتبرين أن مثل هذه التبريرات تسهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وتزيد من هشاشة شعور النساء بالأمان في الفضاءات العامة.

جريمة أخلاقية!

قال مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، ان حادثة التحرش التي جرى تداولها على نطاق واسع، كانت صادمة، لما أفرزته من اعتداء سافر طال إحدى الفتيات في مكان عام، مؤكدا أن ما جرى يعد جريمة أخلاقية وقانونية مكتملة الأركان، ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة.

وأضاف التميمي في تعليق لـ "طريق الشعب"، أن التحرش، وإن كان موجودا في مجتمعات عديدة، إلا أن ما حدث في تلك الليلة اتخذ طابعا جماعيا خطيرا، عكس انهيارا مؤقتا لمنظومة الضبط الاجتماعي، وغيابا واضحا للردع الأمني، ما حوّل الفضاء العام إلى بيئة غير آمنة، خصوصا للنساء والفتيات.

وأشار التميمي إلى أن الأماكن العامة، بما فيها الكورنيش، ليست حكرا على فئة دون أخرى، سواء من الشباب أو العوائل، وأن مسؤولية تنظيم هذه المواقع تقع على عاتق الجهات الأمنية، من خلال خطط مسبقة تتضمن إدارة الحشود، وتنظيم الحركة، وتحديد مناطق الاستخدام، بما يضمن كرامة الجميع وسلامتهم.

وشدد على أن ما جرى يستوجب محاسبة المتورطين وإنزال العقوبات القانونية الرادعة بحقهم، معتبرا أن التساهل مع مثل هذه الجرائم يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويهدد السلم المجتمعي، ويشوه صورة المحافظة وأخلاقيات أهلها.

وختم التميمي بالتأكيد على أن هذه الأفعال لا تمثل المجتمع البصري ولا قيمه، داعيا إلى التعامل مع الحادثة بوصفها إنذارا جادا يستدعي مراجعة شاملة للخطط الأمنية وآليات حماية النساء في الفضاءات العامة، لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلا.

الحماية القانونية

من جانبها، ترى الناشطة السياسية لوديا ريمون أن حادثة التحرش التي جرى تداولها أخيرا لا يمكن التعامل معها بوصفها حالة فردية معزولة، بل تمثل انعكاسا لخلل أعمق يتعلق بأمان النساء في الأماكن العامة، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط بوجود متحرش، وإنما في بيئة تسمح له بالتصرف من دون خوف حقيقي من المحاسبة.

وتقول ريمون لـ"طريق الشعب"، أن الكثير من النساء يتعرضن لمواقف مشابهة بشكل يومي، إلا أن الصمت يبقى الخيار الغالب، نتيجة الخوف أو فقدان الثقة بجدوى الإبلاغ، ما يكشف هشاشة الإحساس بالأمان، ويؤكد أن المرأة غالبا ما تواجه قضايا التحرش بمفردها من دون حماية كافية.

وتشير إلى أن طريقة تعامل المجتمع ووسائل الإعلام مع هذه الحوادث تلعب دورا حاسما، لافتة إلى أن لوم الضحية أو التشكيك بسلوكها أو مظهرها يضاعف الأذى النفسي، ويحرف مسار القضية من مساءلة الجاني إلى اتهام الضحية، الأمر الذي يدفع الكثير من النساء إلى التردد في تقديم الشكاوى.

وفي المقابل، تؤكد ريمون أن التغطية الإعلامية المسؤولة والداعمة تسهم في تشجيع النساء على كسر الصمت، وتبعث رسالة واضحة مفادها أن المجتمع يقف إلى جانب الضحية لا ضدها.

وتضيف ريمون أن المشكلة لا تقتصر على النصوص القانونية، بل تمتد إلى ضعف تطبيقها، مبينة أن القوانين الحالية في كثير من الأحيان غير واضحة أو غير رادعة بالشكل الكافي، وتترك مساحة للتساهل والتهاون.

وتؤكد الحاجة إلى تشريعات أكثر صراحة بخصوص جرائم التحرش، تترافق مع إجراءات سريعة وحازمة، بما يضمن شعور الجاني بوجود عواقب حقيقية، ويمنح المرأة ثقة فعلية بأن القانون يحميها على أرض الواقع لا نظريا فقط.

وتختم ريمون بالقول إن دور المجتمع لا ينبغي أن يقتصر على التنديد بعد وقوع الحوادث، بل يتطلب عملا مستمرا من قبل الناشطات والمجتمع المدني لنشر التوعية، وخلق مساحات آمنة للإبلاغ، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا، إلى جانب الضغط باتجاه محاسبة الجناة، مؤكدة أن الأهم هو تغيير الثقافة التي تبرر التحرش أو تصمت عنه، وبناء وعي جماعي يعتبر حماية النساء مسؤولية مجتمعية مشتركة، لا عبئا تتحمله المرأة وحدها أو عائلتها.

تكريس الانقسام بين الجنسين

فيما علقت الناشطة النسوية آيات توفيق لـ" طريق الشعب"، عن الحادثة بالقول إن منظومة المحاسبة في العراق تعاني خللا عميقا، مؤكدة أن الخطاب المجتمعي والديني الذكوري أسهم بشكل مباشر في تكريس الانقسام بين الجنسين وتعزيز النظرة الدونية تجاه المرأة.

وأوضحت توفيق أن معظم حوادث التحرش السابقة قوبلت بحالات تبرير ولوم للضحية، مقابل تغييب واضح لدور المحاسبة وتطبيق القانون، الأمر الذي أدى إلى تفاقم هذه الظواهر وزيادة حدتها مع مرور الوقت.

وأضافت أن ما يسمى بالرادع الديني والاجتماعي غالبا ما يوجه ضد الضحية وحدها، من خلال مساءلتها عن وجودها في المكان العام أو التشكيك بسلوكها، في حين يتم التغاضي عن الفعل الإجرامي ذاته وعن مساءلة الجناة، وهو ما يعكس خللا بنيويا في منظومة القيم والحماية.

وأكدت توفيق أن استمرار هذا النمط من الخطاب والتعامل لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف ضد النساء، ويقوض ثقة الضحايا بالمؤسسات المعنية، داعية إلى إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة، وتفعيل القوانين بشكل منصف، إلى جانب تفكيك الخطابات التي تشرعن العنف وتبرره تحت مسميات اجتماعية أو دينية.