هل ينسحب الأمريكيون ويُحصر السلاح بيد الدولة؟
نشرت صحيفة (مونيتور الشرق الأوسط) مقالاً لفلاح عبد الباسط، حول سيناريوهات حصر السلاح بيد الدولة العراقية، أشار فيه إلى أن عدة فصائل مسلحة قد أصدرت بيانات تدعم فكرة "احتكار الدولة لاستخدام القوة"، وهي الفكرة التي يُعتقد أنها ستتجسد في تسليم الأسلحة للحكومة، وحلّ تلك المجاميع، وتحولها إلى العمل السياسي، ودمج المقاتلين في الجيش وقوات الأمن. وذكر الكاتب أن هذه البيانات جاءت عقب ظهور نتائج الانتخابات التي فازت فيها هذه الفصائل المسلحة بنحو 100 مقعد، وتزايد الضغوط الأمريكية لتشكيل حكومة لا تضم ممثلي هذه الفصائل، إلى جانب التهديد بتشديد العقوبات الاقتصادية لتشمل مؤسسات عراقية رسمية.
تطور دراماتيكي
وذكر الكاتب أن البيان الذي أصدره رئيس مجلس القضاء الأعلى وعبّر فيه عن امتنانه للجماعات المسلحة التي استجابت لنصيحته وبدأت تتعاون من أجل تأمين احتكار الدولة للسلاح والانتقال إلى العمل السياسي، يُعدّ الحدث الأبرز الذي افتتح هذه المتغيرات وأنهى خطاباً تقليدياً كان يتمحور حول تبرير وجود تلك الجماعات ورفض نزع سلاحها بشكل قاطع. وأعرب الكاتب عن اعتقاده بأن ما جرى يمثل تحوّلاً مهماً، سواء في الخروج الضمني من تحت عباءة طهران التي طالما رفضت هذه العملية، أو في السعي للاندماج في الدولة من أجل حماية المكاسب السياسية والاقتصادية من التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، فضلاً عن محاولة تخفيف حدّة التناقض بين تحكم هذه الجماعات في النظام القائم ومخالفتها لدستوره الذي يمنع وجود سلاح خارج إطار الدولة.
وأعرب الكاتب عن مخاوفه من عدم وجود تصور مشترك حول هذا الأمر لدى الجميع، إذ إن هناك من لا يتفق مع الآراء السابقة ويرى في سلاحه ضماناً لمكاسبه السياسية والاقتصادية، ولا سيما إذا ما أدى التخلي عنه إلى تعرّضه للملاحقة القانونية والعقوبات الاقتصادية، فضلاً عن تقليص قاعدته الشعبية. وتساءل الكاتب عن مدى وجود مخاطر من تعمّق الخلاف بين هذين الموقفين ووصوله إلى صراع مباشر، وعما إذا كان هذا الانقسام حقيقياً أم مجرد تباين مخطط له بهدف مواجهة ضغوط واشنطن إلى حين مغادرة ترامب البيت الأبيض بعد سنوات قليلة.
النفوذ الأجنبي
وأشار المقال إلى أن ضبط الوجود العسكري الأمريكي في العراق أصبح واقعاً عملياً منذ عام 2020، عقب قيام إيران بقصف قاعدة عين الأسد الجوية، واقتراح الرئيس الفرنسي تحديد مواعيد نهائية لنزع سلاح الميليشيات والانسحاب الأمريكي من البلاد. ونتيجة لذلك، بدأت واشنطن جولات من الحوار الاستراتيجي مع الحكومة العراقية، حيث جرى، تحت ضغط النفوذ الإيراني من جهة وتنامي النفوذ الفرنسي من جهة أخرى، تحديد عام 2026 موعداً يُستكمل فيه تأمين احتياجات العراق من التدريب وبناء القدرات، بما يسمح حينها برحيل القوات الأمريكية. وذكر الكاتب أن الطرفين شرعا بتنفيذ الاتفاق في أيلول الماضي على أمل استكماله في أيلول القادم. وأضاف بأن التراجع عن هذا المسار دون طلب عراقي رسمي وواضح سيُحرج السياسة الأمريكية عموماً، ويشكّل ضغطاً على وضع القوات الأمريكية داخل العراق، حتى وإن كانت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وتداعياتها الأمنية قد أجبرت الولايات المتحدة على تعديل أولوياتها المتعلقة بالانسحاب.
وافترض الكاتب وجود تفسيرين مختلفين بشأن الانسحاب الأمريكي؛ أولاهما وجود رغبة صادقة لدى واشنطن في الانسحاب وفق الجداول الزمنية المحددة بعد تهيئة مناخ مناسب داخل العراق، وثانيهما يقوم على تغيير الاستراتيجية الأمريكية الشاملة للانسحاب، والتذرّع بقضية حصر السلاح بيد الدولة لتبرير ذلك. ويبدو أن الفرضية الثانية هي الأكثر قبولاً، وهو ما دفع إلى الإسراع في طرح مسألة حلّ الفصائل.
ورأى الكاتب أن النفوذ الإيراني في العراق قد تراجع بشكل ملحوظ، بما في ذلك تأثيره على تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنه استدرك بالقول إن طهران ما تزال تحتفظ بتحالفات عميقة داخل البلاد. كما أشار إلى أنه لا يتفق مع الآراء التي ترى في نزع السلاح تراجعاً في هذه التحالفات، بل يعدّه تغييراً في استراتيجية التعامل الإيرانية مع الحلفاء وفي طبيعة مهامهم الآنية.
ما ملامح الأيام القادمة؟
وأعرب الكاتب عن اعتقاده بعجز أي حكومة يتم تشكيلها عن تنفيذ مهمة حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الانسحاب الأمريكي، إذ تخشى الجماعات المختلفة من أن يستغل رئيس الحكومة الجديد أو حزبه السياسي هذه الملفات لصالحه، ولا سيما أن هذا الرئيس المنتظر سيفتقر إلى نفوذ مسلح أو برلماني. وهو ما ينذر باستمرار التوتر مع واشنطن، وتوسيع نطاق العقوبات الأمريكية لتشمل مؤسسات مدنية وحكومية، فضلاً عن مواجهة البلاد تحديات اقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الشعبية إلى مستوى قد يُعرّض النظام السياسي برمته للخطر.