اخر الاخبار

يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في العراق، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في مستقبل الدولة وسيادتها؛ فبين مطالب داخلية تقودها قوى مدنية وديمقراطية، وتحذيرات من مخاطر العزلة والعقوبات الدولية، تتقاطع الآراء حول كيفية الانتقال من مرحلة السلاح خارج الإطار الرسمي إلى دولة القانون والمؤسسات.

وفي هذا السياق، يؤكد الحزب الشيوعي العراقي أن إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت يمثل مدخلًا حاسمًا لبناء دولة المواطنة. فيما يشدد باحثون وخبراء أمنيون على أن القوانين والتشريعات موجودة لكنها لم تُطبَّق بعد بإرادة سياسية حازمة.

ومع تراجع المبررات التي رافقت مرحلة مواجهة تنظيم داعش، تتزايد الدعوات لفك الارتباط السياسي عن هيئة الحشد الشعبي، وإخضاعها الكامل لسلطة الدولة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لحماية السيادة ومنع انزلاق البلاد نحو أزمات داخلية أو ضغوط دولية متصاعدة.

وبين الترحيب الحذر والدعوات إلى آليات تنفيذ واضحة، يبرز سؤال ملح مفاده: هل تمتلك القوى الحاكمة اليوم الإرادة السياسية لتحويل الشعارات إلى واقع فعلي يرسّخ دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد؟

خطوة أساسية في مسار بناء دولة المواطنة

من جهته، أكد الرفيق حسين النجار، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، أن حصر السلاح بيد الدولة بجميع اشكاله وتجليات حيازته، يمثل خطوة أساسية وحاسمة في مسار بناء دولة القانون والمواطنة، وإنهاء هيمنة منطق العنف.

وقال النجار في حديث لـ"طريق الشعب"، إن إعلان بعض القوى المنخرطة في العملية السياسية تسليم أسلحتها يشكّل، في جوهره، اعترافًا رسميًا بامتلاكها أذرعًا مسلحة، وهو ما يُعد خرقًا صريحًا للقانون، كان يفترض حسمه قبل خوض أي استحقاق انتخابي.

وأضاف أن هذه الخطوة، على الرغم من أهميتها المبدئية، لكنها لا تكتسب معناها الحقيقي ما لم تُترجم إلى إجراءات فعلية وملموسة، لافتًا إلى أن هذه القوى لم تستجب طوال السنوات الماضية لصوت القوى الديمقراطية الذي طالب بإصرار بحصر السلاح بيد الدولة.

وشدد النجار على أن استكمال هذا المسار يتطلب فصل التأثير السياسي لبعض القوى المتنفذة عن منظومة الحشد الشعبي، بما يضمن إخضاعه الكامل لسلطة الدولة، لا لتحالفات أو ولاءات حزبية ضيّقة، محذرًا من أن أي محاولة لتأجيل الحلول أو تفريغها من مضمونها لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، ولا سيما في ظل التحولات والتطورات الإقليمية المتسارعة، التي تجعل من استمرار السلاح المنفلت عامل تهديد مباشر للاستقرار والسيادة.

وجدّد النجار مطالبة الحزب الشيوعي العراقي بتنفيذ كامل لقانون الأحزاب، الذي يحظر الجهات السياسية التي تمتلك اذرعاً مسلحة، او تلك التي تشكلت على أساس طائفي مقيت.

العقوبات والعزلة الدولية

في هذا الصدد، قال الباحث في الشأن السياسي جعفر الكعبي، إن العودة إلى أصل فتوى المرجعية الدينية التي تشكّل على أساسها الحشد الشعبي تُظهر بوضوح أنها دعت إلى التطوع في صفوف الأجهزة الأمنية الرسمية للدولة، ولم تكن بأي حال من الأحوال فتوى لتشكيل فصائل مسلحة تعمل خارج الإطار القانوني أو المؤسسي.

وأضاف الكعبي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الدولة "لديها تشريعات قانونية تنظم هذا الملف، أبرزها قانون الأحزاب النافذ الذي يمنع أي حزب يمتلك جناحاً مسلحاً من المشاركة في العملية السياسية أو الانتخابات، فضلاً عن إدراج مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ضمن البرنامج الحكومي، بوصفه إحدى ركائز بناء الدولة واستعادة هيبتها".

وأشار إلى أن "تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي، وربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، أنهى أي جدل قانوني بشأن طبيعة هذه المؤسسة"، لكنه أكد أن "الإشكالية لا تكمن في غياب القوانين، بل في عدم تطبيقها على أرض الواقع، رغم وضوح النصوص والدستور".

وبيّن الكعبي أن "جميع الذرائع التي كانت تُستخدم لتبرير وجود السلاح خارج إطار الدولة قد انتفت، ولم يعد أمام الفصائل المسلحة سوى خيارين لا ثالث لهما: إما تسليم السلاح والانخراط الكامل في العمل السياسي وفق القوانين النافذة، أو الإصرار على إبقاء السلاح بما يقود البلاد إلى الفوضى الداخلية ويعرضها لعقوبات سياسية واقتصادية خطيرة".

وأضاف أن "المصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية من قبل المحكمة الاتحادية، وحصول قوى الإطار التنسيقي على الأغلبية داخل مجلس النواب، يعني عملياً امتلاك هذه القوى للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالتالي انتفاء أي مبرر قانوني أو سياسي للإبقاء على السلاح خارج المؤسسات الأمنية، لا سيما في ظل حالة الاستقرار الأمني التي يشهدها العراق".

ولفت الكعبي إلى أن "العراق يواجه في الوقت ذاته ضغوطاً دولية متصاعدة تدفع باتجاه إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، والابتعاد عمّا يُعرف بسلاح المقاومة"، محذراً من أن "عدم التزام بعض الفصائل قد يفتح الباب أمام عقوبات سياسية، وعزل إقليمي ودولي، فضلاً عن عقوبات اقتصادية قد تمسّ الدولة والمواطن معاً".

وأكد أن دعوات حصر السلاح بيد الدولة "ليست محصورة بالمجتمع الدولي، وانما هي ايضاً مطلب داخلي ملح، تتقدمه المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وهي الجهة ذاتها التي أطلقت فتوى الدفاع، وكان آخر تجديد لهذا المطلب في وقت قريب، إلى جانب مطالبات صريحة من قوى دينية واجتماعية مؤثرة في المشهد السياسي".

وختم الكعبي بالقول إن "ترحيب عدد من الأحزاب والفصائل بملف تسليم السلاح يُعد مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه"، معرباً عن اعتقاده بـ"إمكانية إقناع بقية الفصائل إذا توفرت الإرادة السياسية الجادة، وتم التعامل مع الملف بوصفه استحقاقًا وطنيًا لا يقبل التأجيل".

مرهون بالإرادة السياسية

من جانبه، أكد الخبير الأمني سرمد البياتي أن خطوة المضي بحصر السلاح بيد الدولة تُعدّ تطوراً مهماً ينبغي تشجيعه ودعمه من قبل جميع الأطراف، لما لها من أثر مباشر في تحقيق حالة من الارتياح داخل الشارع العراقي، إلى جانب انعكاسها الإيجابي على نظرة المجتمع الدولي تجاه العراق.

وقال البياتي في حديث لـ "طريق الشعب"، أن هذه الخطوة "تحمل رسالة واضحة مفادها أن العراقيين قادرون على ان يتحولوا من حالة الاعتماد الدائم على السلاح إلى بناء دولة مدنية تسعى لترسيخ النظام السياسي القائم وتعزيز المسار الديمقراطي، وهو ما قد يكون رسالة طمأنة للخارج بأن العراق يتجه نحو الاستقرار المؤسسي".

وأشار إلى أن "نجاح هذا المسار لا يتوقف عند الإعلان السياسي، بل يتطلب آليات تنفيذية واضحة، تبدأ بتشكيل لجان عليا تضم ضباطاً مهنيين من ذوي الخبرة، إلى جانب شخصيات سياسية فاعلة، لوضع قواعد ثابتة لتنفيذ ملف حصر السلاح، ومعالجة حالات عدم التوافق، خاصة مع وجود بعض الفصائل التي ما تزال متحفظة على هذا المبدأ".

وبيّن البياتي أن "التعامل مع هذا الملف يجب أن يهدف إلى تجنيب العراق أي تبعات محتملة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية".

وعن أهمية فك ارتباط مؤسسة الحشد الشعبي ببعض القوى السياسية وانهاء هيمنتها قال أن "الدستور العراقي واضح في هذا الشأن، إذ يمنع الجمع بين العمل السياسي وحمل السلاح خارج إطار الدولة"، مشدداً على أن "من يختار العمل السياسي عليه أن يلتزم به بالكامل، دون أي ارتباطات مسلحة، خاصة في ظل وجود عدد كبير من النواب الذين ينحدرون من فصائل شاركت سابقاً في القتال ضد تنظيم داعش".

وأكد البياتي أن "الملف لا يزال في مراحله الأولى، وأن الحكم عليه سابق لأوانه"، مؤكدا انه يترقب "كيفية تطبيق هذه الدعوات عملياً، مع ضرورة تفكيك التعقيدات التي قد تُلحق الضرر بالدولة".

وحول الإطار الزمني لتنفيذ حصر السلاح، أوضح أن "الأمر لا يخضع لجدول زمني محدد بقدر ما هو مرتبط بالإرادة السياسية"، مبيناً أن "تشكيل لجنة مركزية لجرد السلاح وتنظيم وضع المكاتب والأنشطة السياسية يُعد الخطوة الأولى، ورغم أن العمل قد يبدو طويلاً، إلا أنه يمكن إنجازه بسرعة إذا توفرت إرادة حقيقية".

وفي ما يتعلق بمواقف بعض الفصائل، أشار البياتي إلى أن "طرح شروط معقدة، كربط حصر السلاح بخروج قوات أجنبية متعددة، يُعد أمراً تعجيزياً وصعب التحقيق في الوقت الراهن، في حين أن هناك فصائل أخرى أبدت دعمها للمبدأ، وإن لم تبدأ بعد بخطوات عملية واضحة".

واختتم البياتي حديثه بالتأكيد على أن "تعزيز ثقة المجتمع الدولي يتطلب أن يتم تسليم السلاح إلى القوات الأمنية الرسمية، سواء عبر قيادة العمليات المشتركة أو وزارتي الدفاع والداخلية"، مشدداً على "ضرورة عدم تعقيد الإجراءات، والمضي بخطوات واقعية ومسؤولة تصب في مصلحة الدولة العراقية".

لا حاجة لسلاح خارج الدولة

إلى ذلك، أشار المختص بالشأن الأمني صفاء الأعسم إلى أن وجود السلاح خارج إطار الدولة كان مبرَّراً في مرحلة معينة من تاريخ العراق، ولا سيما خلال عام 2014، عندما كان الوضع الأمني هشاً، وتعرضت البلاد لاجتياح تنظيم داعش الإرهابي، مشيرًا إلى أن فتوى المرجعية شكّلت الأساس في الدفاع عن العراق وحماية سيادته.

وقال الأعسم في حديث لـ"طريق الشعب"، انه "بعد تحرير الأراضي العراقية، وإنهاء تهديد داعش، واستقرار الوضع الأمني، لم تعد اليوم هناك حاجة لبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة"، لافتاً إلى أن "العراق من دول المنطقة المستقرة نسبيا، ولم تُطلق على أراضيه رصاصة واحدة رغم ما تشهده المنطقة من تصعيد منذ السابع من تشرين الأول 2023".

وبيّن أن العراق بات "يشكل نقطة التقاء وصمام أمان إقليمياً ومصدر استقرار لدول الجوار، حتى تلك التي كانت تشهد علاقات متوترة معه سابقاً"، مؤكداً أن "جميع المبررات الأمنية التي كانت تُستخدم سابقاً قد انتفت اليوم".

وشدد على أن "تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في الداخل العراقي يتطلب وضوحاً في المواقف الاستراتيجية، وعدم انتهاج سياسات مزدوجة"، مبينًا أن "ملف حصر السلاح بيد الدولة يُعد المدخل الأساس لهذا الاستقرار".

وفي ما يتعلق بآليات تسليم السلاح، أوضح الأعسم أن هناك "توجهاً لأن يتم تسليم الأسلحة إلى المؤسسات الرسمية، ولا ينبغي ان تكون هناك تعقيدات في هذه المسألة، طالما ان الجهة التي ستتسلم السلاح هي جهة امنية عراقية مسؤولة"، مشيراً إلى أن "ملف المقاتلين وآلية التعامل معهم هو شأن إداري يمكن معالجته عبر عدة خيارات، من بينها دمجهم ضمن هيئة الحشد الشعبي، أو إدماجهم في المؤسسات العسكرية الرسمية، أو تحويلهم إلى وظائف مدنية".

وأضاف أن "انخراط بعض الفصائل المسلحة في العمل السياسي قد تحقق بالفعل، إلا أن ذلك يستوجب فك الارتباط الكامل بين العمل السياسي وحمل السلاح"، مشدداً على أن "هيئة الحشد الشعبي تُعد مؤسسة أمنية رسمية، ولا يحق لأي جهة سياسية التأثير على قراراتها أو توجيهها".

واختتم الأعسم حديثه بالتأكيد على أن "هيئة الحشد الشعبي مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة حصراً، ولا ينبغي ان تخضع لهيمنة أي قوى سياسية"، داعياً إلى "احترام هذا الإطار القانوني بما يضمن سيادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار".