أزمة المياه والأمن الغذائي
لصحيفة (الدبلوماسية المعاصرة)، كتبت سنا خان مقالًا عن الأمن الغذائي في العراق، أشارت فيه إلى سعي البلاد، التي كانت تاريخيًا من أكبر مستوردي القمح في الشرق الأوسط، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في السنوات الأخيرة من خلال توسيع إنتاج القمح المحلي. وأكدت أن الاستثمارات الاستراتيجية في البذور عالية الإنتاجية، وأنظمة الري الحديثة، ودعم الحبوب، قد مكّنت البلاد من بناء مخزونات كافية لتلبية احتياجات عام كامل، حيث حقق العراق، ولثلاث سنوات متتالية، فائضًا في الإنتاج، مما قلّل اعتماده على الاستيراد.
إلا أن أشد الأعوام جفافًا في التاريخ الحديث، إلى جانب انخفاض مستويات المياه في نهري دجلة والفرات إلى مستويات قياسية، قد عرّض هذه المكاسب للخطر، وهدّد بخفض محصول القمح بنسبة تصل إلى 50 في المائة خلال هذا الموسم.
أزمة المياه والهشاشة البيئية
وذكّرت الكاتبة بالعوامل البيئية والجيوسياسية التي تعود إليها أزمة المياه في العراق. فقد فاقم ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار والجفاف الممتد، من حدة المشكلة، في حين أدّت السدود المقامة في أعالي الأنهار في تركيا وإيران إلى تقليل تدفّق الأنهار التي توفّر 70 في المائة من احتياجات البلاد من المياه. ونتيجة لذلك، انخفضت الاحتياطيات المائية من 60 مليار متر مكعب عام 2020 إلى أقل من 4 مليارات متر مكعب اليوم، مما دفع الحكومة إلى فرض نظام تقنين المياه على المزارعين.
ونقل المقال تحذيرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن الزراعة البعلية والمروية، على حد سواء، في جميع أنحاء البلاد تتأثر بشدة، حيث من المتوقع أن ينخفض إنتاج القمح بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة.
إنتاج القمح والاستجابة السياسية
وأوضحت الكاتبة أن وزارة الزراعة العراقية لجأت إلى تحديد مساحة زراعة القمح المروي بمياه الأنهار بمليون دونم، أي نصف مساحة الموسم الماضي، وفرضت استخدام أساليب الري الحديثة، مثل أنظمة الري بالتنقيط والرش، بدلًا من الري بالغمر الذي يهدر المياه، وذلك لمكافحة ندرتها. كما ستروى المناطق الصحراوية التي تصل مساحتها الى 3.5 ملايين دونم، من المياه الجوفية، مع تطبيق أساليب الري الحديثة هناك أيضاً، فيما تم حظر زراعة الأرز، الذي يستهلك كميات أكبر من المياه، على مستوى البلاد.
ورغم أن الهدف من هذه الإجراءات هو الحفاظ على الإنتاج، فإنها تتطلب استثمارات وبنية تحتية كبيرة، مما يفرض تحديات اقتصادية على المزارعين الريفيين، الذين فقد الكثير منهم مصادر رزقهم بالفعل، ونزح نحو 170 ألفًا منهم من الريف بسبب نقص المياه.
الآثار الاقتصادية والأمن الغذائي
وأشار المقال إلى أن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) كشفت مؤخرًا عن توقعاتها بأن العراق قد يحتاج إلى استيراد نحو 2.4 مليون طن من القمح في موسم التسويق 2025–2026، مما يعيق مسار الاكتفاء الذاتي. وقد يعرّض الاعتماد المتزايد على الاستيراد البلاد لتقلبات الأسعار ويُثقل كاهل الميزانيات الحكومية، لا سيما في ظل استمرار عدم استقرار أسواق القمح العالمية. وأضافت الكاتبة بأن العديد من الفلاحين اضطروا إلى تقليص مساحات زراعة القمح بشكل كبير وتسريح معظم العمال بسبب نقص مياه الري، وهو ما يعكس هشاشة الزراعة العراقية عمومًا أمام الضغوط البيئية والجيوسياسية. كما تُضيف التكلفة الباهظة للبنية التحتية الحديثة للري عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على المجتمعات الريفية التي تشكّل نحو 30 في المائة من سكان العراق.
سُبل العيش الريفية في خطر
وبيّنت الكاتبة أن استخراج المياه الجوفية يُعدّ حلًا قصير الأجل، لكنه ينطوي على مخاطر طويلة الأمد. فقد انخفض منسوب المياه الجوفية في البصرة بالفعل بمقدار ثلاثة إلى خمسة أمتار، وقد يؤدي الإفراط في الاستخراج إلى استنزاف الاحتياطيات بشكل دائم.
واختتمت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن أزمة المياه تؤكّد أن معاناة العراق لا تقتصر على الأمن الغذائي فحسب، بل تتعداه إلى الحفاظ على سُبل العيش والاستقرار الاقتصادي في مواجهة التحديات البيئية المتفاقمة.