اخر الاخبار

في ظل اعتماد التحول الرقمي كخيارٍ استراتيجي لتحديث مؤسسات الدولة وتبسيط الإجراءات، يبرز تساؤل جوهري حول جودة الخدمات الرقمية المطروحة ومدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطن اليومية.

فبين وعود التسهيل وتقليل الروتين، وشكاوى التعقيد وارتفاع الكلف وضعف الجاهزية، تتباين التجارب وتتعدد الآراء بشأن واقع التحول الرقمي في العراق، ولا سيما مع تصاعد التساؤلات حول الجهة التي تُقيّم هذه الخدمات، ومعايير الحكم على نجاحها أو إخفاقها.

يرى مختصون أن بعض الخدمات الرقمية، بدل أن تكون أداة للتسهيل، تحولت في حالات معيّنة إلى عبء إضافي على المواطن، سواء بسبب ضعف البنية التحتية، أو ارتفاع الرسوم المرافقة لها، ما يستدعي مراجعة شاملة تضع احتياجات المواطن ورضاه في صلب عملية التحول الرقمي، وتضمن أن يكون التطور التقني وسيلة للخدمة لا سببًا لتعقيد جديد.

من يُقيم الخدمات؟

في هذا الصدد، أكد المختص في مجال الحوكمة الإلكترونية علي أنور، أن أحد أهم شروط نجاح التحول الرقمي هو ما يُعرف بـ تجربة المستخدم، مشدداً على أن الهدف الأساسي من أي خدمة رقمية هو تحسين حياة المواطن وتسهيل حصوله على خدمة أفضل، وليس مجرد إطلاق خدمة تحمل صفة “رقمية” دون أثر حقيقي.

وأضاف أنور في حديث مع "طريق الشعب"، أن "المشكلة الأساسية تكمن في أن الجهة التي تصمم أو تقدم الخدمة هي نفسها التي تقوم بتقييمها، في حين أن التقييم الحقيقي يجب أن يأتي من المستفيد الفعلي، وهو المواطن".

وأشار إلى ضرورة "وجود قنوات واضحة للتغذية الراجعة تُمكّن المواطن من تقييم الخدمات الرقمية، وقياس مستوى رضاه عنها"، مبينا أن "هذه الآلية يجب أن تكون جزءاً من البرنامج الحكومي، عبر إصدار مؤشرات دورية تُظهر مدى رضا المواطنين عن الخدمات الحكومية بشكل عام، وعن كل خدمة على حدة، من خلال مؤشرات أداء واضحة".

وبيّن أن إطلاق الخدمة الرقمية "لا يعني اكتمال العمل، بل يجب أن يكون هناك تطوير وتحديث مستمر للخدمة، استناداً إلى ملاحظات المواطنين، إضافة إلى اعتماد معايير ومؤشرات دولية في التقييم"، موضحاً أن التحول الرقمي لا يُقاس بالشعارات أو الادعاءات، بل بالأرقام والمؤشرات العالمية".

وفي هذا السياق، أشار أنور إلى مؤشرات الحكومات الرقمية، لافتاً إلى أن "دولاً قريبة من العراق، مثل المملكة العربية السعودية، حققت مراكز متقدمة عالمياً، فيما لا يزال العراق في مراتب متأخرة، ما يستدعي مراجعة جادة لآليات العمل، وعدد الخدمات المؤتمتة بالكامل، ونسب التحول الرقمي الحقيقي".

كما شدد على أهمية تحديد أولويات الخدمات الرقمية، محذراً من ان بعض الخدمات التي تحولت الى التعامل الرقمي الحقت ضرراً بالناس وليس العكس، كما حصل اخيراً في كوبونا الوقود، وهذه مسألة مهمة ينبغي مراجعتها وتدقيقها".

واشار الى ان "البعض بات يفضل العودة إلى المعاملات الورقية، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة لضمان أن يكون التحول الرقمي في خدمة المواطن لا عبئاً إضافياً عليه".

وأوضح أن "تجربة الجواز الإلكتروني أثبتت أن المواطن مستعد للدفع واستخدام الخدمة الرقمية عندما تكون سريعة، محترمة، واضحة، وتُنجز في وقت قياسي، بما يضاهي ما هو معمول به في الدول المتقدمة"، مشيراً إلى أن هذا "هو الشكل المطلوب للخدمات الرقمية الناجحة".

وختم أنور بالتأكيد على أن الحكومة "مطالبة بوضع خارطة طريق واضحة للتحول الرقمي، تتضمن تحديد الخدمات ذات الأولوية، والجهات المسؤولة عن مراجعتها وتقييمها، وضمان إشراك المواطنين في إبداء الرأي".

تعاملات رقمية للتسهيل لا التعقيد

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، أن العالم يشهد تطوراً متسارعاً في المجال التقني، ومن الضروري أن يواكب العراق هذا التطور بدلاً من البقاء متأخراً عنه.

واشار في حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن "مسؤولية هذا التحول تقع بشكل مباشر على الحكومة، الى جانب مسألة إيصال المفاهيم التقنية والمالية الحديثة إلى المواطن البسيط بأسلوب واضح ومفهوم".

وبيّن أن "عامل التوعية يُعد الأهم في هذه المرحلة، لا سيما في ما يتعلق بمفهوم الشمول المالي؛ فالمؤسسات المصرفية لا يمكنها أداء دورها الحقيقي ما لم يكن هناك فهم ووعي لدى المواطن العادي بآليات التعامل المصرفي الرقمي، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال جهداً توعوياً مستمراً".

واكد أن "التحول نحو الخدمات الرقمية يجب ان يقترن بخدمات ذات جودة، ويرافقها تسهيل للمواطن لا تعقيد في تلقي الخدمة"، مؤكدًا أن "العراق أمام طريق واحد فقط: إما السير في مسار التطور التقني أو مواجهة مزيد من العزلة والتخلف، مع الإقرار بأن هذا التحول قد يرافقه بعض التحديات، إلا أن نتائج التأخير ستكون أكثر كلفة على المدى البعيد".

ولفت إلى أنه برغم ما يجري الا ان "العراق، وحتى اللحظة، لم يصل إلى المستوى المأمول في مجال التحول الالكتروني، خاصة على صعيد التعاملات الداخلية"، مبيناً أن "العديد من المحافظات لا تزال تعتمد على الدفع النقدي، ليس بسبب غياب التشريعات، بل لضعف البنية التحتية وعدم قدرة المواطنين على استخدام التقنيات الرقمية أو توفرها بالشكل المطلوب".

وختم الشيخلي بالقول إن "العجز عن تأمين التحول الرقمي محليًا يضع علامات استفهام كبيرة"، مشدداً على أن "تطوير البنية التحتية التقنية اضحى ضرورة ملحّة لخدمة المواطن وتسهيل تعاملاته اليومية بشكل مرن و غير معقد".

أعباء إضافية

إلى ذلك، قال الخبير الاقتصادي رشيد السعدي ان التحول الرقمي في التعاملات اليومية، يصب بشكل مباشر في مصلحة المواطن، لكنه لفت إلى وجود حالات من سوء التعامل أو فرض مبالغ غير دقيقة على المواطن.

وبيّن السعدي في حديثه مع "طريق الشعب"، ان التحول الرقمي رغم انه كان تدريجياً، الا ان هذا لا ينفي ان العملية لم تكن خالية من المشاكل بشكل تام، لا سيما ان هناك ممارسات واجرءات باتت عوامل طرد ونفور للمواطن من الخدمة الرقمية".

وفي الوقت نفسه، شدد السعدي على أن "التوعية وحدها لا تكفي، بل إن على الدولة مراجعة بعض الخدمات الرقمية التي تقدمها، ومعرفة مدى رضى المواطن عنها، ومعالجة بعض المعوقات، وعلى رأسها الرسوم المستقطعة عن عمليات السحب أو الدفع الإلكتروني مثلاً، والتي تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة آلاف دينار عن كل مليون".

وأضاف أن هذه الاستقطاعات "إضافة إلى العمولات المفروضة في بعض المنافذ، تُضعف ثقة المواطن بالنظام الإلكتروني، وتدفعه للعودة إلى التعامل النقدي"، مطالباً بـ"مراجعة هذه الرسوم والخدمات، وتشجيع المواطنين على الانخراط في الدفع الالكتروني بدل إحباطهم".

وختم السعدي بدعوة الحكومة إلى "مراعاة الواقع المعيشي الصعب للمواطن"، مؤكداً أن أي "إصلاح اقتصادي أو تقني لا يمكن أن ينجح دون تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، وتخفيف الأعباء عن المواطن، وجعل التحول الرقمي وسيلة لخدمته لا عبئاً إضافياً عليه".