بغداد- طريق الشعب
لم يعد عامل التوصيل مجرد شخص يقود دراجته بين الشوارع حاملاً طلبات الزبائن، بل أصبح نموذجا صارخا لعامل يطارد لقمة عيشه في ظروف عمل محفوفة بالمخاطر، وبأجر قليل، وتحت ضغط الوقت الذي قد يتحول في لحظة إلى سبب للموت.
حادثة وفاة عامل توصيل نتيجة السرعة في شارع المعهد بمنطقة الزعفرانية، كما تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، تعيد فتح ملف السلامة المهنية لعمال الدليفري، الذين يقضون ساعات طويلة على الطرقات وسط الزحام والحفر والتجاوزات المرورية، فيما تلاحقهم تطبيقات وشركات تريد وصول الطلب بأسرع وقت ممكن.
السرعة مقابل لقمة العيش
يقول مرتضى علي، وهو عامل توصيل، لـ "طريق الشعب"، إنه "يعيش كل يوم تحت ضغط الوقت، فالزبون يريد طلبه بسرعة، والشركة أو التطبيق يحاسب العامل على التأخير، ولذلك يضطر كثير من العمال إلى الإسراع حتى في الشوارع المزدحمة".
ويضيف أن "الأجر الذي نحصل عليه لا يتناسب مع المخاطر التي نواجهها يوميا. نحن نتحمل تكاليف الوقود وصيانة الدراجة، وفي النهاية لا يبقى من الدخل إلا مبلغ قليل".
العامل سيف العبوسي تحدث هو الآخر لـ "طريق الشعب"، عن تجربته حول ساعات العمل، التي قد تمتد إلى أكثر من عشر ساعات يوميا، خصوصا عندما يحاول العامل زيادة عدد الطلبات لتعويض انخفاض الأجر، فقال "إذا توقفت لساعات طويلة فلن تحصل على دخل كافٍ، لذلك نبقى في الشارع إلى ساعات متأخرة، حتى لو كان التعب شديداً". ً
وهنا تكمن المفارقة القاسية: كلما أراد العامل زيادة دخله، اضطر إلى زيادة ساعات عمله وعدد الطلبات، وبالتالي زيادة احتمالية تعرضه للحوادث.
من يدفع ثمن الحادث؟
لا تتوقف مخاطر العمل عند احتمال الاصطدام. فالعامل معرض للإصابات الجسدية والإرهاق، والعمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في البرد والمطر، فضلا عن الضغط النفسي الناتج عن الاستعجال المستمر.
وتزداد المشكلة سوءاً عندما يكون العامل غير مشمول بصورة فعلية بالضمان والحماية الاجتماعية، أو لا يمتلك تأميناً صحياً يغطي إصابات العمل. عندها قد يتحول حادث واحد إلى كارثة اقتصادية لعائلة العامل، خصوصاً إذا أصبح عاجزاً عن العمل.
يقول عامل الدلفري كرار رائد لـ "طريق الشعب": "إذا تعرضت لحادث وتوقفت عن العمل، من يعوضني؟ نحن نحتاج إلى العمل يومياً حتى نعيش. لا يوجد لدينا راتب ثابت أو ضمان بأن إصابتنا لن تقطع مصدر رزقنا".
ليست مسؤولية العامل وحده
من الخطأ اختزال حوادث عمال التوصيل في عبارة "السرعة". فالعامل يتحمل جزءاً من مسؤولية القيادة الآمنة، لكن الشركات والتطبيقات وأصحاب العمل يتحملون أيضاً مسؤولية توفير شروط عمل لا تدفع العامل إلى المخاطرة بحياته من أجل طلب إضافي. فإذا كان نظام العمل يكافئ السرعة، ويعاقب التأخير، ويربط دخل العامل بعدد الطلبات، فإن الضغط نحو القيادة السريعة يصبح نتيجة طبيعية لنظام العمل نفسه.
المطلوب ليس خوذة للعامل فقط، وإن كانت ضرورية، بل نظام سلامة متكامل يشمل تحديد ساعات العمل، ومنع الضغط غير المبرر على العمال، وتوفير معدات الحماية، وضمان العلاج والتعويض عن إصابات العمل، وإدخال عمال التوصيل ضمن مظلة الضمان الاجتماعي.
إن وفاة عامل على الطريق لا ينبغي أن تمر بوصفها مجرد حادث مروري عابر. خلف كل دراجة توصيل إنسان يعمل لساعات طويلة مقابل أجر محدود، ويخاطر بحياته حتى يصل الطعام أو الطرد إلى صاحبه في الموعد.
لا ينبغي أن يكون ثمن سرعة وصول وجبة إلى باب المنزل حياة عامل. فحين يصبح العامل مضطراً إلى الإسراع كي يكسب ما يكفيه للعيش، فإن المشكلة ليست في الطريق وحده، بل في نظام عمل يدفع الإنسان إلى المغامرة بسلامته من أجل أجر لا يكاد يكفيه.