اخر الاخبار

بغداد – طريق الشعب

تحولت أزقة الأحياء السكنية وشوارع المدن العامة إلى مسارح لمشاهد تحبس الأنفاس، أبطالها أطفال لم تتجاوز أعمارهم السن القانونية، يقودون مركبات وآليات تفوق قدراتهم الإدراكية والجسدية.

هذه الأزمة التي تفشت بشكل أكبر منذ قرابة العام، في ظل انتشار ما يُطلق عليه "درّاجات الشحن الكهربائية"، لم تولد من فراغ، إنما هي امتداد وتطور لسلوك استهتاري بدأ قبل سنوات حين تغاضى الآباء عن شراء دراجات هوائية بمقاسات ضخمة لأطفالهم بهدف مجاراة الشباب في الحركات البهلوانية الخطرة، ليتدحرج الإهمال الأسري اليوم نحو آليات الشحن النارية والكهربائية، وليصل الأمر في بعض الأحيان إلى تسليم القاصرين مفاتيح التوك توك والسيارة أحيانا!

هذا التحول السلوكي الخطير نادرا ما تسلط عليه الأضواء كظاهرة مجتمعية ومرورية متكاملة الأركان. إذ يجري التعامل معه محليا كتقليعة صيفية أو مكافأة نجاح عابرة يقدمها أولياء الأمور لفلذات أكبادهم، في حين أنه يخفي وراءه أبعادا نفسية واجتماعية خطيرة تدفع العائلات نحو المحاكاة العمياء، ما يتسبب في تبعات مرورية مُربكة تفرض الرعب اليومي على سائقي المركبات، وصولا إلى الفاتورة البشرية الباهظة التي تُسجل يوميا داخل ردهات الطوارئ ومستشفيات العظام نتيجة غياب شروط السلامة الفردية والرقابة القانونية الصارمة.

ووفقا لمراقبين، فإن القصة لا تبدأ من رغبة الطفل في التمرد، إنما تبدأ من قرار يتخذه الآباء أنفسهم. حيث تحولت هذه الدراجات إلى مكافأة ذهبية مفضلة يُقدمونها لأبنائهم حال نجاحهم، متناسين أنهم بتوقيع هذا الشيك المالي يشترون لأطفالهم تذكرة مفتوحة نحو الخطر، ويحولون شوارع الأحياء إلى بيئة مرتبكة ومهددة لأمن المشاة والسائقين على حد سواء.

حمّى المحاكاة!

يرى اختصاصيون أن الدافع وراء اقتناء هذه الدراجات لا يقتصر على مكافآت النجاح الفردية، إنما يمتد إلى حمى المحاكاة والتقليد التي تجتاح العائلات. فبمجرد أن يشتري أحد الأقارب أو الجيران دراجة شحن لطفله، يبدأ ضغط الأبناء على أولياء أمورهم لتقليد النظراء، وتحت وطأة هذا الضغط وشعور الآباء بالذنب أو الرغبة في مواكبة المظاهر، يذعن الكثيرون منهم ويرضخون لطلبات أطفالهم دون تفكير في العواقب.

في هذا الصدد، يعلق الباحث الاجتماعي كمال التميمي قائلا: "إننا أمام نمط خطير من التدليل الاجتماعي المفرط. الآباء اليوم يعوضون غيابهم أو انشغالهم عن الأبناء بتقديم مكافآت خطيرة دون تقييم عواقبها"، مبيّنا في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الرغبة في عدم إشعار الطفل بالأقلية مقارنة بابن الجيران أو القريب، أطاحت بوعي السلامة وأعراف التربية الحازمة. فالطفل في سن العاشرة أو الثانية عشرة لا يمتلك النضج العقلي الذي يمكنه من تقدير المسافات أو اتخاذ قرارات مصيرية في أجزاء من الثانية أثناء القيادة، ما يجعل الدراجة وسيلة للموت وليست للترفيه".

من الدراجة إلى السيارة

عند رصد هذه الظاهرة يتبيّن أنها لم تولد من فراغ، إنما جاءت نتيجة لتراكم سلوكي لم يجد من يردعه. فالظاهرة بدأت قبل سنوات عندما كان الآباء يسمحون لأطفالهم باقتناء دراجات هوائية بمقاسات كبيرة تفوق أعمارهم وأحجامهم.. لا يستخدمونها للتنقل، إنما لغرض وحيد وهو محاكاة وتقليد الشباب الأكبر سنا في الحركات البهلوانية الخطرة وسط الأزقة السكنية – بحسب المواطن ليث شاكر، الذي يذكر لـ"طريق الشعب"، أنه "مع التطور التكنولوجي ورخص أسعار آليات الشحن، انتقل الطفل من الدراجة الهوائية إلى الكهربائية، بل إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. حيث يُلاحظ في الأزقة الشعبية استهتار أعمق يتمثل في قيام أطفال قاصرين بقيادة التوك توك أو الستوتة الخاصة بأشقائهم الكبار، وصولا إلى الكارثة الأكبر وهي قيادة سيارة الوالد الشخصية في غفلة منه أو بعلم ومباركة منه في بعض الأحيان تحت ذريعة (تعليم الابن الاعتماد على النفس)، ما يحول هؤلاء الصغار إلى مشاريع قتلة أو ضحايا على الطرقات"!

وفي السياق، يقول المواطن أبو مروان، وهو سائق سيارة أجرة: "أصبحت القيادة داخل الأحياء السكنية أصعب مما في الطرق السريعة. تخرج لك هذه الدراجات فجأة من الأزقة الضيقة وبسرعات جنونية، ويقوم الأطفال بحركات بهلوانية استعراضية في وسط الطريق لإثبات شجاعتهم أمام أقرانهم".

ويضيف لـ"طريق الشعب" قوله: "الأسبوع الماضي كدت أتسبب في كارثة لولا أنني ضغطت المكابح في آخر لحظة. إذ ان طفلا لا يتجاوز 11 عاما كان يسير وعجلة دراجته الأمامية معلقة في الهواء وبصحبته طفل آخر متشبث بظهره. لقد تدرج هؤلاء الأطفال من الدراجات العادية إلى التوك توك وسيارات أهاليهم، ونحن السائقين من يدفع ثمن هذا الانفلات المروري في رعب يومي"!

فقدان المعادلة المرورية

إن السماح لطفل دون السن القانونية بقيادة مركبة ذات محرك، يعكس فجوة عميقة في الوعي المروري. إذ ان الدراجة الكهربائية في نظر الكثير من أولياء الأمور هي مجرد لعبة متطورة، لكن الواقع الميداني يثبت عكس ذلك تماما. فالسرعة التي تصل إليها بعض هذه الدراجات، مع غياب المكابح المتطورة، يحولها إلى مقذوفات خطرة في حال فقدان السيطرة عليها، متسببة في إرباك خانق لسائقي السيارات الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الكبح المفاجئ وتغيير الاتجاهات بشكل عشوائي لتفادي الصغار.

ووسط هذه المخاطر، يتساءل كثيرون عن الشق القانوني والتنظيمي، وعن الموقف المروري من قيادة الأطفال مركبات ذات محركات.

وفقا للحقوقي عادل شريف، فإن "القانون واضح وصريح، أي مركبة تسير بمحرك في الشوارع العامة، سواء كانت دراجة شحن، أم توك توك، أم سيارة، يجب أن تخضع لشروط السن القانونية والترخيص"، لافتا في حديث لـ"طريق الشعب" إلى أن "رجال المروري يجدون صعوبة بالغة في ضبط ظاهرة قيادة الأطفال الدراجات السريعة، كون أغلب هؤلاء يتحركون داخل الأزقة الضيقة والأحياء السكنية البعيدة عن المحاور الرئيسة والتقاطعات التي تتواجد فيها المفارز المروري".

وينوّه شريف إلى انه "من الناحية القانونية والمدنية يتحمّل الآباء المسؤولية الكاملة عن أي حادث يتسبب فيه أطفالهم"، داعيا الجهات المرورية إلى "العمل على تفعيل إجراءات صارمة تشمل حجز تلك الدراجات وتغريم أولياء الأمور للحد من هذا التسيب المروّع".

ردهات الطوارئ تدق ناقوس الخطر!

الوجه المظلم لهذه الظاهرة يتجلى بوضوح في ردهات المستشفيات وغرف الطوارئ. إذ تسجل الكوادر الطبية بشكل شبه يومي إصابات ناجمة عن حوادث دراجات الشحن الكهربائية أو قيادة الآليات دون سن الرشد.

وتتنوع هذه الإصابات بين الكسور المضاعفة في الأطراف، السحجات الجلدية العميقة، وارتجاج الدماغ نتيجة غياب الخوذات الواقية. ويؤكد أطباء أن الصدمات الناتجة عن هذه الدراجات تكون عنيفة، لأن جسم الطفل يكون مكشوفا بالكامل وبلا أي مصدات تحميه لحظة الارتطام بالأسفلت.

في هذا الشأن، يقول الطبيب الاختصاصي في جراحة العظام يوسف راضي، أن "ردهات الطوارئ تستقبل أسبوعيا عشرات الحالات لأطفال في عمر الزهور تعرضوا لحوادث مرورية بسبب دراجات الشحن والآليات الأخرى"، موضحا لـ"طريق الشعب"، أن "غياب الخوذة والواقيات يجعل الرأس والصدر في مواجهة مباشرة مع الصدمة".

ويؤكد أن "بعض الإصابات يؤدي للأسف إلى إعاقات مستديمة أو نزيف دماغي حاد. والمأساة الحقيقية هي عندما نرى دموع الآباء وندمهم في غرف الطوارئ بعد فوات الأوان. فالكلمات لا يمكن أن تعيد سلامة طفل قُدمت له دراجة الموت تحت مسمى هدية النجاح"!

هل من معالجة جذرية للظاهرة؟!

إن مواجهة هذا التدفق المتزايد لدراجات الشحن بين أيدي الأطفال تتطلب إستراتيجية متعددة الأطراف تجمع بين الحزم الأمني والوعي الأسري والرقابة التجارية لحظر هذا الاستنزاف المجتمعي – بحسب الحقوقي عادل شريف، الذي يرى أنه "من الضروري تفعيل الرقابة المرورية الداخلية، من خلال إطلاق حملات تفتيش ومفارز جوالة داخل الأحياء السكنية والفرعية لحجز الدراجات والآليات التي يقودها قاصرون، وتغريم ذويهم ماليا بشكل فوري".

ويشدد الحقوقي أيضا على "أهمية إلزام أصحاب المحلات التجارية بعدم بيع هذه الدراجات إلا لبالغي السن القانونية، وتجريم بيعها بشكل عام، إذا لم تُرفق معها أدوات السلامة الإلزامية كالخوذ والواقيات"، متابعا قوله "كذلك من الأهمية استغلال المنصات التربوية والإعلامية لتنظيم ورش عمل ولقاءات إرشادية توضح للأهالي الفارق بين الألعاب الآمنة والمركبات ذات المحركات التي تتطلب نضجا إدراكيا خاصا".

إن تدليل الأطفال بمكافآت تلحق الضرر بهم وبالآخرين ليس تعبيرا عن الحب أو الاحتفاء بالنجاح، إنما هو شكل من أشكال الإهمال المقنّع بالمظاهر الاجتماعية، وتهاون يبدأ بالدراجة الهوائية وينتهي بكارثة مرورية.

وبحسب الباحث الاجتماعي كمال التميمي فإن "الحفاظ على سلامة أطفالنا وهدوء أزقتنا يبدأ من كلمة (لا) شجاعة ومسؤولة يوجهها الآباء لأبنائهم. وبذلك سيفضلون حمايتهم اليوم على البكاء عليهم غدا في ردهات المستشفيات"!