اخر الاخبار

لا شيء يلفت من يزور قرية فكّة في قضاء سنجار أكثر من صمتها. لا أطفال في الشوارع، ولا متاجر مفتوحة ولا مرافق حكومية مفعّلة. وفيما تنتشر أطلال المنازل التي فقدت سقوفها وحملت جدرانها آثار القذائف، تنمو الأعشاب والنباتات البرية داخل غرفها المنهارة!

فبعد أكثر من عقد على اجتياح تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار، ونحو 11 عاما على تحريره من التنظيم، لا تزال الحرب حاضرة في تفاصيل الكثير من مناطقه. لكن سكانا عادوا إلى قراهم يقولون ان عدوا آخر ظهر بعد انتهاء المعارك، متمثلا في انحسار المياه وتوقف الزراعة وغياب فرص العمل وتراجع الخدمات.

ووفقا لمختار قرية فكّة، رجب محمد، فإن "المشكلة اليوم ليست إرهاب داعش.. إنها انحسار المياه وغياب فرص العمل.. انها مستقبلنا المجهول"!

وفي أنحاء سنجار وقراها، أصبحت المنازل المهجورة أكثر من تلك التي يسكنها أصحابها. إذ انتهت المعركة العسكرية ضد داعش عام 2015، ثم بدأت معركة أخرى لإنقاذ القرى من الجفاف والإهمال، لكن بسبب ضعف وبطئ عمليات الإعمار والتأهيل في بعض المناطق، تقلصت فرص عودة السكان عاما بعد آخر.

وعلى الرغم من انقضاء سنوات على إعلان النصر العسكري واستعادة الأرض، لا تزال العديد من المدن والبلدات المنكوبة في البلاد تعيش فصلا ثانيا من المأساة، يتمثل في غياب الإرادة الحكومية الحقيقية لإعادة إعمارها وتأهيلها. إذ تحولت هذه المناطق المحررة إلى مساحات معطلة تسكنها أنقاض الحرب وتفتقر لأدنى مقومات الاستقرار. فلا البنى التحتية أُعيدت، ولا الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وطبابة وُفرت بشكل يضمن العيش الكريم، ولا فرص العمل أُمّنت، ما جعل قطار التنمية يتجاوزها ليترك معظم أهاليها عالقين في مرارة مخيمات النزوح.

ويؤكد مراقبون أن غياب فرص العمل وانعدام مقومات الزراعة والإنتاج في هذه البيئات المهملة، حوّلها إلى مناطق طاردة للسكان، ليظل الدمار شاخصا في أزقتها، وتبقى عودة الأسر النازحة رهينة لالتفاتة خدمية وتنموية مؤجلة تنهي كابوس الإهمال المؤسساتي.

عودة 20 عائلة من أصل 150

قبل آب 2014، كانت نحو 150 عائلة تعيش في فكّة. لكن مع سيطرة إرهاب داعش على منطقة سنجار وتقدم المعارك، اضطر السكان إلى الفرار.

وفي ذلك الشهر، ارتكب التنظيم ما وصفته الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية بحق الإيزيديين، في حملة أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص واختطاف أكثر من 6 آلاف، معظمهم من النساء والأطفال.

ونجت فكّة وقرية قوبق المجاورة لها من عمليات القتل الجماعي التي شهدتها قرى أخرى، لكن الغارات الجوية والعمليات البرية دمرت أجزاء واسعة منهما. واليوم، لم تعد إلى فكّة سوى نحو 20 عائلة.

أما السكان المتبقون، فاستقروا في مناطق أخرى، في ظل غياب إعادة الإعمار وفرص العمل والخدمات الأساسية، فيما جعل تغير المناخ، الزراعة التي يعتمد عليها سكان الريف، أكثر صعوبة.

يقول عقيل رضا، من قرية قوبق: "يسأل الناس لماذا لا تعود العائلات؟ الجواب بسيط: أين ستعيش؟ وكيف ستكسب قوتها؟!".

بين التلوّث الحربي وتراجع المياه الجوفية

لا تزال مناطق وقرى عديدة في سنجار ملوّثة بالذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الحرب ضد إرهاب داعش، لكن مشكلة أخرى تتفاقم تحت الأرض: المياه الجوفية تتراجع باستمرار!

في قرية تل جدوع، يتنقل بهجت عثمان حسن بين منازل مدمرة لم تُبنَ من جديد. بينما لا تزال الطرق ترابية في معظمها، والكهرباء شبه منهارة. وقبل الحرب، كان أكثر من 200 شخص يعيشون في القرية، أما اليوم فلم يبقَ سوى نحو 50 شخصا.

يقول حسن في حديث صحفي: "الناس لم يرحلوا لأنهم أرادوا ذلك. رحلوا لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش هنا".

وبشأن أزمة المياه، يشير إلى ان الوصول إلى المياه كان ممكنا قبل سنوات عبر حفر الأرض بعمق نحو 10 أمتار، أما اليوم فأصبح السكان مضطرين إلى الحفر حتى عمق يقارب 25  مترا، في عملية تزداد كلفتها عاما بعد آخر.

قرى بلا سكانها

في قرية الساجعة، تبدو الصورة أكثر قسوة. فقد كانت تضم قبل الحرب 37 عائلة، لكن اليوم لا أحد يعيش فيها. إذ لا تزال 24 دارا قائمة، إلا انها متضررة بشدة، فيما تُغطي النباتات البرية الغرف والساحات والحقول التي هُجرت منذ سنوات.

يقول عاصف حسن علي، وهو من القلة الذين ما زالوا يعودون إلى المنطقة: "الجميع ذهبوا إلى تلعفر".

ويعيش علي في تلعفر، لكنه يعود خلال موسم الزراعة ليقيم في مقطورة قرب الحقول التي لا يزال يعمل فيها.

ويوضح في حديث صحفي، أنه "بالنسبة للعائلات، العودة مستحيلة. كل شيء تعرض للقصف، ولا أحد يستطيع العيش هنا، وحتى الزراعة لم تعد آمنة".

أما في قرية قزل قيو، يواجه السكان شكلًا آخر من تداعيات تغير المناخ. إذ يقول الشاب سامن، أن حديقة الخضراوات التابعة لعائلته احترقت بالكامل بعد أن اجتاحت دوّامة غبار، الحقول المجاورة، وتسببت شرارة كهربائية في إشعال النباتات الجافة.

وتحوّلت هذه الدوامات من الهواء الساخن والغبار، التي تزداد خلال فصول الصيف القاسية، إلى مشهد مألوف وصورة جديدة للمناخ المتغير.

ولا تخسر قرى سنجار سكانها فقط، بل تخسر جيلها الجديد أيضا. فالمدارس تستقبل أعدادا أقل من التلاميذ عاما بعد آخر، ومن يكملون تعليمهم الثانوي غالبا لا يعودون بعد الجامعة. فيما يتجه آخرون مباشرة إلى العمل في مدن مثل الموصل وأربيل، حيث توفر أعمال البناء دخلا أكثر استقرارا من الزراعة، حتى وإن كانت الأجور متواضعة.

ويؤكد سامن أن "معظم أصدقائي يريدون الرحيل. أحيانا أريد الرحيل أنا أيضا. لكن إذا غادرت، فمن سيساعد والديّ؟".

وهكذا، لا تبدو قرى سنجار أمام مشكلة إعادة إعمار المنازل فقط، بل أمام سؤال مهم: هل يمكن إعادة الناس إلى قرى لا ماء فيها، ولا وظائف كافية، ولا خدمات مستقرة، ولا مستقبل واضح للزراعة؟ فالحرب التي دفعت سكانها إلى الرحيل انتهت، لكن الظروف التي تمنعهم من العودة لا تزال تتسع!