أثار تداول معلومات عن بيع أسماك عمياء نادرة في سوق الغزل ببغداد موجة من التساؤلات بشأن كيفية وصول هذه الأسماك إلى الأسواق، في وقت ينظر فيه إلى وجودها في "خسفة الأنبار" بوصفه اكتشافا بيئيا نادرا يستدعي الحماية، وسط تحذيرات من العبث بموائلها الطبيعية أو نقلها إلى بيئات غير ملائمة.
وكانت الشرطة البيئية قد أعلنت في 12 آب الجاري، اكتشاف نهر جوفي ومغارة فريدة داخل منطقة الخسفة في صحراء قضاء حديثة بمحافظة الأنبار، تضم ممرات عميقة وأسماك مياه عذبة عمياء بلا عيون تعيش في ظلام تام.
ووفقا لباحثين اختصاصيين فإن الأسماك المكتشفة، تُعد من أسماك المياه العذبة شديدة الحساسية والندرة. وتتميز بأجسام شفافة أو وردية شاحبة بسبب غياب الصبغات الجلدية جراء عدم التعرض للشمس، ما يتيح رؤية أحشائها الداخلية بوضوح عند خروجها.
وجاءت قضية تداول تلك الأسماك في السوق، بعد أن أفادت "منظمة الصليب الأخضر" المعنية بالبيئة، عبر حساباتها في منصات التواصل الاجتماعي، بأن الأسماك العمياء النادرة أصبحت تباع في "سوق الغزل". لكن بعد ساعات حذفت المنظمة منشورها المذكور. وفي ظل هذه التطورات، برزت تساؤلات بشأن مسؤولية الجهات الحكومية في حماية التنوع البيولوجي، ومنع صيد الأنواع النادرة وتداولها، فضلا عن الإجراءات المتخذة لحماية الأسماك المكتشفة في الأنبار وضمان عدم وصولها إلى الأسواق.
ولا تبدو قضية الأسماك العمياء معزولة عن ظاهرة أوسع تتمثل في صيد الحيوانات والطيور البرية النادرة والاتجار بها. إذ تظهر بين فترة وأخرى أنواع غير مألوفة في الأسواق المحلية، بعضها يتم اصطياده من بيئته الطبيعية وبيعه لهواة اقتناء الحيوانات والطيور، في مخالفة قد تهدد بقاء الأنواع النادرة وتخل بالتوازن البيئي.
ويبرز سوق الغزل بوصفه أحد أشهر الأماكن التي يقصدها الباحثون عن الحيوانات والطيور والأسماك، ما يجعله أيضا نقطة تستدعي المتابعة والرقابة عندما يتعلق الأمر بأنواع نادرة أو محمية أو يجري اصطيادها من مواطنها الطبيعية بصورة غير قانونية. وبينما تحظى بعض الحيوانات والطيور المعروضة بإقبال من الهواة، تثير تجارة الأنواع النادرة مخاوف بيئية، خصوصا عندما تتحول ندرتها إلى عامل يزيد من قيمتها التجارية ويشجع على اصطياد المزيد منها.
ويحذر مهتمون بالبيئة من أن استمرار اصطياد الأنواع النادرة وبيعها قد يحول الأسواق إلى حلقة في سلسلة تهدد التنوع الاحيائي، تبدأ باكتشاف نوع نادر في موطنه الطبيعي، ثم اصطياده ونقله وبيعه، لتنتهي أحيانا بنفوقه بسبب عدم قدرته على التأقلم مع البيئة الجديدة.
ولا تقتصر المشكلة على الصيد وحده. إذ إن ضعف الرقابة على الأسواق، وعدم وضوح مصادر بعض الحيوانات والطيور المعروضة، وتعدد الجهات المسؤولة عن حماية الحياة البرية، قد تجعل من الصعب تتبع مسار الأنواع النادرة منذ لحظة اصطيادها حتى وصولها إلى الأسواق. وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية الإجراءات المتخذة لمنع الاتجار غير المشروع بالحياة البرية وحماية الأنواع التي لا يمكن تعويض خسارتها.
توجيه بإغلاق الموقع المكتشف
في حديث صحفي، قال مدير قسم الشرطة البيئية في وزارة الداخلية، اللواء ثائر حميد، ان موضوع الأسماك العمياء تمت مناقشته بهدف الحفاظ على البيئة الحساسة التي تعيش فيها، مؤكدا ضرورة إغلاق الموقع المكتشف لمنع العبث بها.
وأوضح أن التوجيهات تضمنت إغلاق الموقع حفاظا عليه من التلوث، ومنع تعرض الجمهور للخطر، فضلا عن عدم نقل الأسماك إلى موائل أخرى غير بيئتها الطبيعية، مشيرا إلى أن حماية الموقع تأتي في إطار الإجراءات الوقائية للحفاظ على هذه البيئة ومنع التعامل غير المنظم مع الأسماك الموجودة فيها.
اكتشاف ليس جديدا
من جانبه، أوضح مدير بيئة الأنبار قيس ناجح أن الأسماك العمياء ليست اكتشافا أوليا في المحافظة، إنما تمثل امتدادا لاكتشافات سابقة للنوع نفسه في منطقة حديثة.
وبيّن في حديث صحفي أن وزارة البيئة سجلت عام 2010 وجود هذه الأسماك في بئر داخل مركز قضاء حديثة، فيما جرى اكتشافها مجدداً في منطقة الخضراء بالقضاء ذاته.
وأضاف قوله أن "الحكومة المحلية تحركت على خلفية الاكتشاف. حيث أغلقت المنطقة بسور ووضعت حماية أمنية عليها لمنع تجاوز المواطنين"، مؤكدا أن الإجراءات تهدف إلى حماية الموقع والحفاظ على الأسماك وبيئتها.
ونوّه ناجح إلى أن وزارة البيئة أدرجت منطقة حديثة ضمن المناطق التي يجري العمل على جعلها محمية في محافظة الأنبار، موضحا أن المحمية تمتد من بحيرة القادسية في قضاء حديثة، مرورا بقضاء هيت وناحية البغدادي وصولا إلى بحيرة الحبانية.
وأشار إلى أن المشروع ينتظر استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاقه من قبل وزارة البيئة والحكومة المحلية.
على من تقع المسؤولية؟
بدوره، قال المتحدث باسم وزارة الزراعة قصي حطاب ان "الدراسات القديمة والحديثة للوزارة تشير إلى أن هذا النوع من الأسماك موجود أصلا في المياه العادية، لكن بأعداد قليلة".
وأوضح في حديث صحفي أن "موقع الخسفة يقع ضمن مسؤولية القوات الأمنية الماسكة بالأرض، مشددا على ضرورة منع تداول مثل هذه الأسماك من دون الموافقات اللازمة.
وأضاف قائلا أن "مسؤولية هذا الملف تقع، بحسب الصلاحيات، على مديرية الزراعة في الأنبار".
وفي ما يتعلق بما أثير عن بيع الأسماك في سوق الغزل، قال حطاب أن الوزارة ليست لديها معلومات بشأن الموضوع، وانه لم يكن ضمن أولوياتها أو دراساتها، داعيا إلى التواصل مع الجهة التي أثارت القضية للحصول على تفاصيل أكثر بشأن مصدر الأسماك وكيفية وصولها إلى السوق.
ولفت إلى أن الأسماك موجودة أساساً في المياه الطبيعية، لكن بأعداد محدودة، وأن وزارة الزراعة سبق أن سجلت وجودها.
تحذيرات من فتح الموقع أمام العامة
في السياق، حذّر الخبير البيئي صميم سلام من نشر تفاصيل الموقع أمام الجمهور، مؤكدا أن المكان غير مهيأ لاستقبال الزائرين أو الوفود السياحية.
وقال في حديث صحفي، أن فتح الموقع أمام العامة قد يؤدي إلى مجموعة من المخاطر، أبرزها العبث ببيئة الأسماك والتلاعب بها، ونقلها أو تربيتها بصورة غير صحيحة، ما قد يؤدي إلى نفوقها.
وأوضح أن صغر حجم الأسماك يجعل التعامل معها ونقلها أمرا حساسا، محذرا من إمكانية وصولها إلى المجاري أو البيئات المنزلية في حال التخلص منها بطريقة غير صحيحة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكاثرها خارج موائلها الطبيعية.
كما حذر سلام من مخاطر أخرى مرتبطة بطبيعة الموقع، بينها انهيار التكهفات على الزائرين، والتوغل إلى أعماقها بما قد يؤدي إلى حالات اختناق وكوارث إنسانية، فضلا عن احتمالية تلوث البيئة الحساسة التي تعيش فيها تلك الأسماك.
ضرورة مراقبة أسواق بيع الحيوانات
إلى ذلك، أكد عدد من روّاد سوق الغزل وغيره من أسواق بيع الحيوانات، أن بيع الطيور والحيوانات النادرة ليس أمرا جديدا، مشيرين في حديث صحفي إلى أنهم شاهدوا خلال فترات مختلفة أنواعا من الطيور والحيوانات غير المألوفة، بعضها يأتي من مناطق برية ويباع لهواة اقتنائها.
وأوضحوا أن "هناك أشخاصا يقصدون السوق تحديدا بحثا عن الطيور والحيوانات النادرة، وكلما كان الحيوان أو الطائر غير مألوف ارتفع سعره"، معتبرين أن "المشكلة تكمن في مصدر هذه الحيوانات، وهل تم اصطيادها بصورة قانونية أم جرى أخذها من البرية وبيعها من دون موافقات"، لافتين إلى ان "بعض الأنواع التي تعرض في السوق تكون نادرة جدا، وربما لا يعرف البائع أو المشتري حتى طبيعتها أو مدى حاجتها إلى بيئة خاصة".
ويدعو هؤلاء الجهات المعنية إلى "تشديد الرقابة على عمليات صيد الحيوانات وبيعها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنواع نادرة".