وجد طلبة الجامعات الحكومية والأهلية أنفسهم أمام عقبة مالية بعد أن أنهوا الامتحانات النهائية للعام الدراسي الحالي. إذ تحولت رسوم مشروع HEPIQ إلى شرط فعلي لتسلّم النتائج الامتحانية في عموم جامعات البلاد، ما أثار موجة استياء واسعة بين الطلبة وعائلاتهم، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف الدراسة والمعيشة.
وخلال الأيام الماضية، توافد مئات الطلبة إلى جامعاتهم بعد إبلاغهم بإعلان نتائج الامتحانات النهائية، إلا أنهم فوجئوا بإيقاف تسليم النتائج إلى حين تسديدهم رسوم مشروع HEPIQ البالغة 66 ألف دينار عن كل عام دراسي، وهو ما أجبر بعض الطلبة على دفع مبالغ متراكمة عن عامين أو أكثر للحصول على نتائجهم.
ومشروع HEPIQ عبارة عن تطبيق الكتروني تعليمي مخصص للطلبة أطلقته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قبل ثلاث سنوات. ويهدف التطبيق – وفقا للوزارة - إلى تسهيل إدارة الدراسة من خلال أدوات متكاملة تشمل متابعة الحضور، الواجبات، الإشعارات، ومتابعة الدراسة الرقمية. كما يقدم حلولا مالية مثل الدفع الإلكتروني، ويعمل على أتمتة البيانات الأكاديمية والإدارية ويتيح الوصول إلى المعلومات الدراسية والوثائق والبيانات الجامعية عبر أنظمة إلكترونية موحدة.
وأثار التوجيه باستيفاء المبالغ، والذي عممته وزارة التعليم العالي على الجامعات، حالة من الجدل، خصوصاً مع اختلاف آليات التنفيذ بين جامعة وأخرى. حيث سمحت جامعات للطلبة بتسلّم النتائج بعد دفع رسوم عام دراسي واحد، فيما اشترطت جامعات أخرى تسديد مبالغ عامين أو أكثر، الأمر الذي خلق حالة من الارتباك، لا سيما في ظل عدم وضوح الإجراءات بالنسبة إلى الطلبة.
لا تفاصيل تنفيذية واضحة
وكالة أنباء "العربي الجديد"، تنقل عن عميد إحدى الجامعات قوله أن "وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجهت الجامعات باستيفاء رسوم المشروع من الطلبة دون استثناء، لكنها لم تقدم تفاصيل تنفيذية واضحة بشأن آلية الاستيفاء أو السنوات المشمولة بالدفع".
ويوضح العميد الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، أن "إدارات الجامعات وجدت نفسها أمام مسؤولية ضمان استيفاء الرسوم، ما دفع العديد منها إلى ربط تسليم النتائج بالتسديد المالي"، مشيرا إلى ان "بعض المؤسسات التعليمية اشترطت دفع الرسوم المتراكمة لأكثر من عام، بينما اكتفت مؤسسات أخرى برسوم عام واحد فقط، وهو ما تسبب في حالة من التفاوت والفوضى في التطبيق".
عبء إضافي على الطالب
وبينما تؤكد إدارات جامعية أن الهدف من الإجراء ضمان استيفاء الرسوم، يرى طلبة أن تحويل النتيجة الامتحانية إلى أداة ضغط مالية يشكل عبئاً إضافياً عليهم، خصوصاً أن كثيرين من الطلبة يواجهون بالفعل صعوبات في تغطية نفقات الدراسة والنقل والسكن والقرطاسية.
وفي هذا الصدد يقول الطالب في جامعة بغداد أيهم عامر، انه اضطر إلى دفع 132 ألف دينار لقاء رسوم عامين دراسيين.
ويضيف في حديث صحفي: "أنا أعمل بعد انتهاء دوامي الجامعي في أحد المطاعم للمساعدة في تسديد تكاليف الدراسة، والمبلغ الذي دفعته ليس بسيطاً بالنسبة إلى طالب يعتمد على دخل يومي محدود"، مبيّنا أن "تسلّم النتيجة يفترض أن يكون حقاً أكاديمياً مرتبطاً بجهد الطالب خلال العام الدراسي، لا أن يتحول إلى ملف مالي يضاف إلى قائمة الالتزامات التي تثقل كاهل الطلبة وعائلاتهم".
أما عبير عبد الله، وهي طالبة في الجامعة المستنصرية، فتقول أن عائلتها غير قادرة على سداد المبلغ المطلوب، مؤكدة في حديث صحفي أن والدها من ذوي الاحتياجات الخاصة ولا يمتلك دخلاً ثابتاً يمكن أن يغطي مثل هذه النفقات.
طلبة يضطرون إلى الاستدانة لسداد المبلغ!
من جانبه، ينتقد عضو نقابة الأكاديميين العراقيين هاشم الربيعي، ربط تسليم النتائج باستيفاء الرسوم من الطلبة، مشيرا في حديث صحفي إلى ان "عائلات عديدة تتحمل أعباءً مالية متزايدة بسبب الضغوط في الجامعات وفرض الرسوم على الطلبة".
ويوضح أن "هناك عائلات لديها أكثر من طالب في الجامعات، ما يعني تضاعف الرسوم المطلوبة، في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة"، مضيفاً القول أن "هناك طلبة يضطرون إلى الاستدانة لتأمين المبلغ، خصوصاً أولئك الذين يحتاجون إلى معرفة نتائجهم للاستعداد لامتحانات الدور الثاني".
ويعتبر الربيعي أن "أي تأخير في تسليم النتائج قد يؤثر في استعدادات الطالب الأكاديمية".
بين النفي والإثبات
إلى ذلك، نفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي صحة ما جرى تداوله بشأن حرمان الطلبة من أداء الامتحانات بسبب رسوم مشروع HEPIQ، لكنها لم تنفِ ربط الرسوم بالحصول على نتيجة الامتحانات.
وقالت في بيان صحفي الاسبوع الماضي، أن سياستها تقضي بـ"عدم منع أي طالب من دخول الامتحانات لأسباب مالية أو إجرائية مرتبطة بالمشاريع التقنية والأنظمة الإلكترونية"، مؤكدة أنها "أصدرت توجيهات مستمرة للجامعات والكليات الحكومية الأهلية لمراعاة الظروف الإنسانية والمادية للطلبة وضمان انسيابية العملية الامتحانية".
غير أن بيان الوزارة لم يتطرق مباشرةً إلى الجدل القائم حول ربط تسليم النتائج الامتحانية بتسديد الرسوم، وهو الملف الذي لا يزال يثير تساؤلات واسعة بين الطلبة والأكاديميين بشأن حدود الإجراءات المالية وإمكانية تأثيرها على حق الطلبة في الوصول إلى نتائجهم الدراسية في الوقت المناسب.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه قطاع التعليم العالي في البلاد، تحديات متراكمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات الجامعية وارتفاع الكلف المعيشية. فيما تشكو عائلات كثيرة من تزايد النفقات المرتبطة بالدراسة الجامعية، بدءاً من النقل والسكن والقرطاسية وشراء الكتب واستنساخ المحاضرات، وصولاً إلى الرسوم والإجراءات الإدارية المختلفة.