تتواصل المطالبات الحقوقية والنسوية بتعديل المادة 41 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، التي تتيح ما يسمى بـ"تأديب الزوجة"، وسط تحذيرات من أن النصوص القانونية المتساهلة مع العنف الأسري تسهم في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتفتح الباب أمام جرائم أكثر وحشية، من بينها جرائم قتل النساء بدافع ما يعرف بـ "الشرف".
ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه معدلات العنف ضد النساء، بالتزامن مع جرائم قتل تهز الرأي العام، كان آخرها مقتل طفلة في الخامسة عشرة من عمرها على يد ذويها بعد رفضها الزواج من ابن عمها، قبل أن يتم تبرير الجريمة بذريعة "غسل العار".
ولم تتوقف الصدمة عند الجريمة نفسها، بل امتدت إلى تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فيه ذوو الضحية وهم يحتفلون بمقتلها، في مشهد أثار موجة غضب واسعة بين العراقيين.
هل تشرعن المادة 41 العنف؟!
تنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي على أنه "لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالا لحق مقرر بمقتضى القانون"، ويُعد من ذلك "تأديب الزوج لزوجته ضمن الحدود التي يقررها القانون أو العرف"، وهو نص تقول منظمات نسوية إنه يمنح غطاءً قانونيا للعنف الجسدي والنفسي ضد النساء.
المواطنة آلاء محمد تحدثت لـ "طريق الشعب" عن معاناتها خلال سنوات زواجها، قائلة: "كنت أتعرض للضرب بشكل شبه يومي، وفي إحدى المرات رماني زوجي من سلم الدار، وكاد عمودي الفقري أن ينكسر. وعندما قدمت شكوى قيل لي إن هذه مشاكل زوجية ومن حق الزوج أن يؤدب زوجته".
وأضافت أن "القانون لا ينصف النساء، بل يمنح المعتدي شعورا بالحماية، لذلك تعاني آلاف النساء من العنف بصمت خوفا من المجتمع أو من خسارة أطفالهن".
حين تُدان الضحية مرتين
ويرى ناشطون أن ثقافة العنف داخل الأسرة ترتبط بشكل مباشر بتبرير جرائم قتل النساء تحت مسمى "الشرف"، حيث تتحول الضحية إلى متهمة حتى بعد مقتلها، بينما يجد القاتل من يدافع عنه اجتماعيا أو يطالب بتخفيف عقوبته.
وتقول المحامية سماح الطائي لـ ”طريق الشعب”، إن "غياب المعايير الواضحة في المادة 41 يفتح الباب واسعا أمام تبرير العنف، وهذا يتعارض مع الحق الدستوري في السلامة الجسدية والمساواة أمام القانون". وتضيف أن "العراق مطالب بمواءمة تشريعاته مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المرأة، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، لأن استمرار هذه النصوص يكرس التمييز والعنف".
ناشطات: المرأة ليست ملكية خاصة
من جانبها، تؤكد الناشطة النسوية علياء الجبوري أن "المادة 41 لا تنتمي إلى هذا العصر"، مضيفة أن "الحديث عن تمكين النساء لا يمكن أن يتزامن مع وجود نص قانوني يسمح بتعنيفهن تحت ذريعة التأديب".
وتشير الجبوري إلى أن منظمات نسوية وثقت مئات الشهادات لنساء تعرضن للعنف وتم تجاهل شكاواهن بسبب هذه المادة، مؤكدة أن "المطلوب ليس فقط تعديل القانون، بل مواجهة الثقافة التي تتعامل مع المرأة باعتبارها ملكية خاصة للعائلة يمكن التحكم بمصيرها".
أرقام مقلقة وصمت تشريعي
وبحسب تقارير لها، سجلت وزارة الداخلية ما مجموعة 36,289 بلاغا رسميا بحالات العنف الأسري خلال عام 2025، شكّلت النساء النسبة الأكبر من ضحاياها، فيما تؤكد ناشطات أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بسبب خوف كثير من النساء من الإبلاغ.
الناشطة القانونية نوال الداوودي ترى أن المادة 41 "تتعارض مع المادة 29 من الدستور العراقي التي تحظر جميع أشكال العنف والتعسف داخل الأسرة"، مشيرة إلى أن "القوانين يجب أن تحمي الضحايا لا أن تمنح المعتدين أعذارا قانونية واجتماعية".
ورغم تصاعد الحملات المطالبة بتعديل النصوص القانونية المتعلقة بالعنف الأسري، لا يزال مجلس النواب يلتزم الصمت أو يؤجل مناقشة الملف بحجة "الحساسية المجتمعية" والخشية من ردود الفعل القبلية والدينية، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن استمرار هذا التردد يعني مزيدا من الضحايا، ومزيدا من النساء اللواتي يقتلن باسم "الشرف".