اخر الاخبار

تقدّر الإحصائيات الرسمية عدد عمال البناء والتشييد في العراق بحوالي مليون وأربعمائة ألف شخص، أي ما يعادل 16.31 في المائة من إجمالي العاملين في البلاد. ورغم ما يتمتع به هذا القطاع من أهمية استثنائية، باعتباره من أكبر القطاعات التي توفر فرص عمل، سواء الدائمية منها أو المؤقتة، فإن العاملين فيه يتعرضون لمشكلات عديدة وصعوبات لا تجد من يذللها، كغياب الضمان الاجتماعي وإجراءات السلامة المهنية وتدني الأجور وتذبذبها بحسب المواسم والمناطق الجغرافية.

تدني الأجور

وتُظهر تقديرات مواقع سوق العمل أن دخل العامل الحر، غير المرتبط بشركة ما، في قطاع البناء بالعراق، يتراوح بين 300 و900 ألف دينار شهريًا، أي بمتوسط راتب يصل إلى نحو 600 ألف دينار شهريًا. يقول العامل علي حسين في حديث مع "طريق الشعب" (دخلي اليومي لا يتجاوز 20 ألف دينار، وإذا حصلت على عمل طوال الشهر، وهو ما يحدث نادرًا، فلا يصل دخلي إلى أكثر من نصف مليون دينار، أدفع نصفه لإيجار البيت، ولا يسد ما يتبقى رمق عائلتي المكونة من أربعة أفراد، حتى بالخبز الحاف).

العامل يحيى زغير، القادم للعمل في بغداد، يشكو هو الآخر من مشكلة الأجور المنخفضة، التي لا توفر له سوى 400 ألف دينار شهريًا، يبعثها إلى عائلته في إحدى قرى محافظة المثنى، ولا يحتفظ منها سوى بثلاثة آلاف دينار يوميًا، متسائلًا كيف يمكن لإنسان أن يعيش بهذا الدخل.

ويبقى رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة من أبرز المهام النضالية للعمال، سواء عمال المساطر أو المرتبطين بالشركات، ولنقاباتهم المهنية.

غياب التأمين والضمان

عدد غير قليل من عمال المساطر الذين التقت بهم "طريق الشعب" يعجزون عن توفير مستلزمات السلامة المهنية، التي تقع مسؤولية توفيرها عليهم، مشيرين إلى وقوع العديد من الحوادث التي فقد فيها العمال حياتهم، كما جرى في عام 2023 حين سُجلت 41 حالة وفاة لعمال البناء، وكذلك في عام 2024 حيث قُتل 61 عامل بناء في كردستان وحدها.

عامل البناء الخمسيني محمد محمود، الذي التقته "طريق الشعب" في أحد الأزقة القريبة من ساحة الطيران، قال لنا وهو يتنهد ماسحًا يديه المتشققتين ببنطاله المغطى ببقع الإسمنت (أحيانًا أعمل ثلاثة أيام فقط في الأسبوع. إذا مرضت لا أجد دخلًا، وإذا سقطت من سقالة البناء لا أحد سيسأل عني). ويطالب محمد محمود بضرورة إلزام أصحاب العمل بتوفير مستلزمات السلامة، حتى لعمال المساطر عند تشغيلهم.

وتختصر هذه الكلمات أيضًا حياة آلاف العمال المرتبطين بشركات والذين يعملون بنظام الأجر اليومي، بلا عقود ثابتة أو تأمين صحي أو ضمان اجتماعي.

العامل حسن محمد علي يتذكر حادثتي مصرع زميلين في السنوات الماضية، سقط أحدهما من علو جراء انهيار سقالات، فيما صُعق الآخر بتماس كهربائي، مؤكدًا أن الحادثتين وقعتا بسبب التعرض للاستغلال من قبل بعض المقاولين والشركات، وعدم التزام أصحاب العمل بتوفير معدات الوقاية.

زهرة حسين، أرملة العامل المتوفى عماد صالح، تقول لطريق الشعب، إن زوجها راح ضحية عدم وجود عقد رسمي مع صاحب العمل، مما حرمه من الرعاية الصحية عند إصابته، وحرم عائلته من التعويضات بعد وفاته.

وتطالب زهرة، وهي أم لأربعة أطفال، بفرض رقابة صارمة على شروط السلامة المهنية، وإلزام الشركات بعقود عمل رسمية، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل العمال المؤقتين.

ظروف العمل القاسية

ويواجه عمال البناء، إضافة إلى غياب إجراءات السلامة، ظروفًا قاسية في الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية، دون أن يوفر لهم أصحاب العمل الملابس المناسبة ومياه الشرب والمظلات وفترات الاستراحة الكافية، الأمر الذي يدفع العمال إلى المطالبة بتطبيق أنظمة السلامة المهنية والصحة، وإخضاع ذلك لعمليات تفتيش وتدقيق متواصلة، لاسيما أن سلامة العمال وصحتهم مسؤولية الجميع.

كما أن مصادقة العراق على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، التي تعنى بحماية العمال في مختلف القطاعات، تلزمه بتوفير ظروف عمل وفق المعايير الدولية.

ويسكنون العشوائيات

وأخيرًا، فإن آلاف عمال التشييد، الذين يبنون عشرات المجمعات السكنية الجديدة في بغداد والمحافظات، يعودون في آخر النهار إلى ما يُسمى مجازًا بيوتهم المنتشرة في العشوائيات المحيطة بالمدن، والتي تفتقد إلى جميع الخدمات الأساسية، من كهرباء وماء وصرف صحي وطرق معبدة، يعودون سالمين أو مصابين، وربما لا يعود بعضهم إلا أشلاءً.