في ظل التوترات العسكرية والأمنية الدائرة في المنطقة، تراجعت السياحة الدينية في العراق بشكل كبير، ما أفقد مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وغيرها من مدن تضم عتبات دينية، أعدادا كبيرة جدا من الزائرين العرب والأجانب، لا سيما الإيرانيون.
وبسبب ذلك، باتت الأيام تمرّ ثقيلة على التجار وأصحاب المحال الصغيرة بعد أن فقدوا معظم زبائنهم، فضلا عن ثقلها على الفنادق التي بدا معظمها خاليا من النزلاء، واضطر إلى الإغلاق المؤقت. كما أضر الأمر كثيرا بأصحاب سيارات الأجرة، فضلا عن عجلات التك تك التي تنشط في تلك المدن. وكانت الحركة التجارية في المدن الدينية، خصوصا النجف وكربلاء، تعوّل على ما ينفقه سنوياً ملايين الزائرين القادمين من إيران ولبنان والخليج وباكستان ودول أخرى. إذ أصبح هؤلاء اليوم عملة نادرة في تلك المدن.
ولم يكن العراق في منأى عن التداعيات الإقليمية للحرب. إذ أغلق أمام الطيران المدني، مجاله الجوي الذي استحال مسرحاً للصواريخ والطيران الحربي.
كما شهدت البلاد هجمات استهدفت مواقع في مدن متعددة، فضلا عن هجمات انطلقت من الأرض العراقية نحو بلدان مجاورة، الأمر الذي أربك الوضع الأمني كثيرا، وبالتالي ألقى بظلاله على مجمل النشاطات الاقتصادية، ومنها السياحة الدينية التي كانت عائداتها من الإيرادات غير النفطية الأساسية لبغداد.
لم يعد هناك من يُحرّك السوق!
في حديث صحفي، يقول عبد الرحيم الهرموش، وهو صاحب محل لبيع المصوغات الذهبية في النجف: "لم يعد هناك زوار إيرانيون. كانوا يحرّكون عمل الصائغ وبائع الأقمشة وسيارة الأجرة".
ويضيف قوله: "كان من الصعب السير وسط السوق بسبب تزاحم الأجانب. كانت حشود الزوار تحتشد حول الباعة المتجولين وأصحاب المحال".
وكانت السياحة الدينية تغطّي دورة اقتصادية واسعة، وتبدو تداعيات تراجعها الحاد واضحة: "فسيارات الأجرة تتجمع بحثاً عن ركاب، وعمال الأجر اليومي ينتظرون فرص عمل، وأصحاب المحال التجارية قلقون من عدم قدرتهم على دفع أبدال الإيجار والضرائب" – وفقا للهرموش، الذي يحذر من "انهيار اقتصادي" في مدن مثل النجف وكربلاء.
الفنادق أغلقت أبوابها
من جانبه، يقول رئيس رابطة فنادق النجف صائب أبو غنيم، أن "أكثر من 80 في المائة من هذه المؤسسات التي يناهز عدد 250 في المدينة، أغلقت أبوابها بسبب الحرب".
ويتابع في حديث صحفي قوله: "حتى نسبة الإشغال في الـ20 في المائة المتبقية، تصل لخمسة إلى 10 في المائة فقط، ما اضطر أصحابها لتسريح أو منح إجازة إجبارية دون راتب لأكثر من ألفي موظف".
في السياق، يقول أبو علي، وهو صاحب فندق في النجف، أنه اضطر إلى تسريح خمسة من موظفي فندقه، والابقاء على واحد فقط للاهتمام بغرفه السبعين شبه الشاغرة، متسائلا في حديث صحفي: "كيف استطيع دفع رواتب الموظفين، وليس هناك عمل أساسا؟!".
وهذه ثاني أزمة كبرى تلحق بالسياحة الدينية في العراق خلال أعوام، بعد جائحة كورونا. ورغم وفرة المواقع الأثرية في العراق، إلا أن الزيارات الدينية تبقى المحرّك الرئيس لقطاع السياحة، في ظل محاولة البلاد استعادة تعافيها تدريجياً بعد عقود من الأزمات والحروب.
ومع ان العراق أعاد فتح مجاله الجوي عقب اتفاق الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار اعتباراً من 8 نيسان الماضي، إلّا أن ذلك لم ينعكس إيجاباً حتى الآن على السياحة الدينية مع استمرار حال الترقب في عموم المنطقة.
وفي غياب الأجانب، يعوّل أصحاب المصالح على عدد قليل من الزوار العراقيين الذين يفدون من مناطق أخرى، خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع. لكن تأثير هؤلاء شبه معدوم على أصحاب المصالح، ومنهم مصطفى الحبوبي الذي بات كأقرانه الآخرين من أصحاب محالّ الصرافة، يمضي غالبية اليوم في تصفّح هاتفه الجوال أو التحدث الى جيرانه في غياب الزبائن.
ويقول في حديث صحفي: "يأتي اليوم زبون واحد أو اثنان.. لا زوار إيرانيين ولا غيرهم".
الوضع خطير في كربلاء!
الوضع في مدينة كربلاء ليس أفضل حالاً مما في النجف. إذ كانت هذه المدينة تغص بملايين الزوار على مدار العام، لا سيّما في شهر محرم.
تقول رئيسة لجنة السياحة في مجلس محافظة كربلاء إسراء النصراوي، أن "الوضع خطير جداً، بل كارثة"!
وتضيف في حديث صحفي قولها أن "السبب هو استمرار توتر الأوضاع في الشرق الأوسط"، مشيرة الى أن الحرب أدت إلى تراجع عدد السائحين في المدينة بنحو 95 في المائة، ودفعت المئات من فنادق المدينة إلى إغلاق أبوابها.
وطاولت المعاناة شركات السفر. وفي هذا الصدد يقول أكرم راضي، صاحب "شركة آفاق الشمس" في كربلاء، أن شركته تعمل حالياً بنسبة 10 في المائة مقارنة بالشهور التي سبقت الحرب. إذ كان يستقبل شهريا في الوضع الطبيعي أكثر من ألف سائح.
ويخشى راضي في حال استمر الوضع على حاله، من أن يضطر إلى التخلي عن مهنة يعمل فيها منذ 16 عاماً!