اخر الاخبار

تخطى مواطنون كثيرون من كلا الجنسين عقبة الأمية بعد سنوات طويلة عاشوها وهم يحلمون بتعلم القراءة والكتابة. فيما واصل البعض منهم التعلم للحصول على شهادات جامعية رغم أعمارهم الكبيرة التي كانوا يظنونها عائقاً أمام إكمال دراستهم وتحقيق طموحات طفولتهم.

وسجل العراق خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في معدلات الأمية. فبحسب نتائج التعداد السكاني الأخير، انخفضت نسبة الأمية بين السكان من عمر 10 سنوات فما فوق إلى نحو 15 في المائة عام 2024، بعد أن كانت تتجاوز 20 في المائة قبل أعوام قليلة، في مؤشر يعكس تحولاً حقيقياً في مسار الإقبال على التعليم.

ولم يأتِ هذا التحسن من فراغ. إذ ارتفعت نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية إلى نحو 94 في المائة، بالتزامن مع إنشاء أكثر من 1200 مركز لمحو الأمية، فضلاً عن تشغيل 830 مركزاً تعليمياً تستقطب أكثر من 41 ألف دارس، ضمن برامج حكومية أُدرجت في خطط التنمية ومكافحة الفقر، مدعومة بتعاون دولي ومبادرات أممية تستهدف النساء والفئات الأكثر تهميشاً.

وحسب تصريح سابق لمدير الجهاز التنفيذي لمحو الأمية في وزارة التربية، مزاحم جاسم السامرائي، فإن الجهاز نفذ العديد من الحملات في بغداد وبقية المحافظات بهدف الحد من نسبة الأمية، مشيرا إلى ان مراكز محو الأمية المنتشرة في أنحاء البلاد، تجاوز عددها 25 ألفاً و643 مركزاً، وان كل مركز يضم عدداً من الشُعب.

وتستهدف مراكز محو الأمية الأفراد من الذكور والإناث ممن تجاوزت أعمارهم 15 عامًا، بهدف تمكينهم من المهارات الأساسية في القراءة والكتابة. بينما تُعنى مدارس التعليم المسرّع بالفئات العمرية من 12 إلى 18 سنة، عبر برنامج تعليمي مكثف بثلاثة مستويات. إذ يعادل المستوى الأول الصفين الأول والثاني الابتدائي، ويقابل المستوى الثاني الصفين الثالث والرابع، فيما يعادل المستوى الثالث الصفين الخامس والسادس الابتدائي.

ولا يخلو الطريق نحو تنفيذ برامج محو الأمية من مطبات متعددة، أبرزها ضعف البنى التحتية وقلة التمويل ونقص الكوادر، فضلا عن بُعد المراكز عن أماكن سكن بعض المواطنين، إلى جانب عوامل اقتصادية تمنع التحاق الأفراد بالتعليم – وفقا لاختصاصيين. 

استعادة كرامة!

في حديث صحفي، تقول المواطنة هبة أحمد (38 سنة)، انها باتت تلتزم بكتابة ملاحظات يومها بثقة لم تعرفها من قبل.

وتوضح انه "كنت صغيرة عندما توفي والدي، واضطررت لترك التعليم والعمل مع أمي لإعالة إخوتي. كانت المدرسة حلماً بعيداً، ولم أكن أعرف حتى كيف أكتب اسمي. أولادي هم من أجبروني على التعلم، ودخلت مركز محو الأمية، واليوم أستطيع أن أقرأ وأكتب، ولم أعد أحتاج أحداً ليقرأ لي. ليس الأمر مجرد تعلم حروف، بل استعادة كرامة، فأجمل شعور هو الاستقلال الشخصي".

وتعكس مثل هذه الحكايات تحولاً أوسع في نظرة المجتمع إلى التعليم، خاصة بين النساء اللواتي كنّ الأكثر تأثراً بالأمية، ومن بينهن سوسن نوري (52 سنة). حيث وجدت في التعلم بوابة للتواصل مع عائلتها.

تقول سوسن في حديث صحفي: "كنت أرسل  لأبنائي وأحفادي رسائل صوتية على تطبيق (واتساب). إذ لم أكن أعرف الكتابة. الآن أكتب لهم يومياً. أحياناً أكتب صباح الخير، أو أسألهم عن أحوالهم. وهم فرحون جداً، وأنا أيضاً".

لم يتوقف تحوّل سوسن عند حدود التواصل مع العائلة، إذ بدأت تتابع الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتقرأ بنفسها تفاصيل ما يدور حولها "كنت أعتمد على الآخرين ليخبروني بما يحدث. الآن أقرأ الأخبار بنفسي، وأفهم أكثر، وأشعر بأني أصبحت واعية ومثقفة".

من الأمية إلى شغف مطالعة الكتب!

قاد التعلم عيسى عبد الرحمن (39 سنة) إلى عالم مختلف، هو عالم مطالعة الكتب. إذ يقول في حديث صحفي أنه أصبح دائم التجول بين رفوف مكتبات بغداد، مستذكراً شعوره قبل تعلم القراءة والكتابة، حين كان يمرّ أمام المكتبات ويشعر بالحسرة وهو يرى الناس يشترون الكتب، ويتمنى أن يفعل مثلهم.

ويوضح انه بعد أن تعلم القراءة والكتابة قبل عامين، تغيّر كل شيء "أصبحت أدخل إلى المكتبات بشجاعة، وأقرأ العناوين للاختيار، وأتصفح الكتب كي أختار ما يعجبني. إنه شعور لا يوصف".

ويظهر حديث عبد الرحمن أن شغفه بالقراءة لم يكن عابراً. إذ يؤكد أنه قرأ أكثر من ثلاثين كتاباً منذ تعلم القراءة. ويقول: "القراءة فتحت لي عالماً جديداً. أصبحت أفهم المجتمع، وأدرك تفاصيل التاريخ، وأشعر بنفسي أكثر وعياً وعمقاً".

وتُظهر هذه القفزة من الحرمان إلى الشغف جانباً آخر من أثر محو الأمية على نفوس البشر. إذ لا يتوقف الأمر عند التعويض، بل يتحول إلى الرغبة في الاكتشاف، وهو ما يتجسد بشكل أكثر وضوحاً في طموحات الجيل الأصغر، مثل سارة محسن (27 سنة)، والتي لم تكتفِ بتعلم القراءة والكتابة، بل قررت أن تذهب أبعد من ذلك.

تقول سارة في حديث صحفي: "بعد أن أنهيت مرحلة محو الأمية، قررت الالتحاق مباشرة بالمرحلة المتوسطة، وأنا الآن أخطط للحصول على الشهادة الإعدادية، ثم الالتحاق بالجامعة. بالنسبة إليّ، لم يعد التعليم خياراً، إنما مشروع حياة، وأشعر بأنني أبدأ حياتي من جديد. صحيح أنني تأخرت لسنوات، لكنّ لدي إصراراً كبيراً لتعويض ما فاتني. أريد أن أثبت لنفسي قبل أن أثبت للآخرين أن التقدم بالعمر ليس عائقاً، وأن الإنسان يمكنه أن يبدأ مساره التعليمي في أي عمر".

تحديات متعددة

في مقابل ما تحقق، لا يبدو أن طريق مواجهة الأمية يسير بصورة مستقيمة. إذ تعترضه جملة من التحديات التي تعيق فاعليته على أرض الواقع، منها ضعف البنى التحتية، وشحّ التمويل، ونقص الكوادر التعليمية.

كما تبرز إشكالية بُعد مراكز التعليم عن أماكن سكن بعض المواطنين، إلى جانب ظروف اقتصادية ومعيشية تدفع كثيرين إلى ترك فرصة التعلم أو عدم الالتحاق بها من الأساس، ما يجعل هذه البرامج، رغم أهميتها، تصطدم بواقع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيداً مما هو مخطط له.

في هذا الصدد، يشير مدير قسم محو الأمية والتعليم المسرع في تربية الرصافة الثانية محمد داخل عودة، إلى ضعف في الأبنية المدرسية، فضلا عن ضعف في التمويل وتباين اجراءات المحافظات باعتبار المحافظين هم رؤساء مجالس محو الأمية في محافظاتهم بموجب قانون محو الأمية.

ويضيف قوله في حديث صحفي أن "ضعف البنى التحتية يؤثر في سير الخطط السنوية الخاصة بالمراكز"، لافتا إلى أن "هناك حاجة إلى ملاك جديد، بسبب توسع العمل وفتح المراكز والمدارس في أكثر المناطق ضمن الرقعة الجغرافية للمديرية العامة. كذلك هناك حاجة إلى دورات حديثة للملاكات الحالية، من اجل مواكبة التطورات التكنولوجية في العملية التعليمية ووسائل التعليم الحديثة".