اخر الاخبار

في ظل توجه الحكومة الحالية إلى "تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية"، اتجهت وزارة الكهرباء إلى جيوب المواطنين لدعم تلك الإيرادات، عبر ما اصطلحت عليه "أجور طباعة قوائم الجباية"، كإضافة إلى تكلفة الطاقة المستهلكة. إذ حملت قوائم الكهرباء حقلا إضافيا تحت مسمّى "أجور أخرى"، مدونا فيه مبلغ ألفي دينار، كتكلفة لطباعة القائمة، أو – وفق ما يرى البعض - ضريبة "غير مُعرّفة".

وبينما يعترض المواطنون على هذا المبلغ، الذي يرونه مبالغا فيه ويتجاوز تكلفة طباعة ورقة صغيرة بكثير، عادت الوزارة خلال الشهور الأخيرة لتزيد المبلغ إلى ثلاثة آلاف دينار، وضاعفته عبر تحويل الجباية إلى النظام الشهري، وليس كل شهرين كما كان معمولا فيه سابقا، الأمر الذي أضاف على المستفيدين أعباء مالية جديدة، في الوقت الذي لا يتمتعون فيه بخدمة حقيقية، رغم أن الدستور العراقي يُلزم الدولة بتأمين خدمات متكاملة للمواطن.

وفي وقت تمضي فيه المؤسسات الحكومية، ومنها وزارة الكهرباء، بخطى متسارعة نحو الأتمتة والتحول الرقمي مع الاعتماد بشكل واسع على أنظمة الدفع الإلكتروني، ظهرت على السطح مفارقة مثيرة للاستغراب. إذ تواصل وزارة الكهرباء فرض تلك الرسوم، بالرغم من تحوّلها إلى الدفع الإلكتروني لأجور استهلاك الطاقة.

وتتزايد الانتقادات حول مشروعية هذه التكاليف الإضافية وجدواها والغرض منها، كونها تُحمّل المواطنين أعباء مالية مقابل خدمة لم تُقدّم على أرض الواقع. فـ"ورقة الجباية" لا تتعدى كونها بنداً مالياً مضافاً إلى أجور التسديد، من دون مقابل ملموس – حسب مواطنين.

مواطن: ندفع ثمن ورقة لم نرَها!

المواطن ملاذ عاصم من مجمّع بسماية جنوبي بغداد، يقول في حديث صحفي: "كنا لشهور عدة ندفع مبلغ ألفي دينار زيادة على قسيمة أجور الكهرباء، وهو ثمن طباعة الورقة التي لم نرها على الإطلاق"!

ويضيف قوله: "أخيرا زاد المبلغ وأصبح ثلاثة آلاف دينار مقابل هذه الورقة، على الرغم من أنني أسدد الأجور إلكترونياً ولم أتسلم أي قسيمة أجور ورقية".

أما المواطنة سعدية ناصر، وهي من مجمع بسماية أيضاً، فتتساءل: "لا نعرف أين الجهات الرقابية من هذه الإجراءات؟ أوَ ليس الهدف من الأتمتة هو حماية المواطنين من التلاعب والغش والاحتيال والحفاظ على المال العام؟!".

وتؤكد في حديث صحفي، أن "الرسوم الإضافية تحت مسمى (طباعة الورقة) ما هي إلا باب للفساد واستغلال المواطنين، بسبب غياب المتابعة والرقابة الحقيقية. فأبواب استنزاف جيوب الناس أصبحت مفتوحة"! 

مبالغ هائلة لا يُكشف عن مصيرها!

وفقاً لنتائج التعداد العام للسكان لعام 2025، فقد بلغ عدد المساكن الخاصة ثمانية ملايين و340 ألف وحدة سكنية ما بين منزل وشقة وغيرها من المساكن. وبضرب عدد الوحدات السكنية بمبلغ الثلاثة آلاف دينار يكون الإيراد الشهري 25 ملياراً و20 مليون دينار شهرياً، أي 300 مليار و240 مليون دينار سنوياً تدخل إلى خزينة وزارة الكهرباء دون أن يتم الكشف عن مصيرها – وفقا لتقارير صحفية.  أما الوحدات التجارية، فحقل "الأجور الأخرى" على قوائمها يحمل مبلغ خمسة آلاف دينار. وتشمل الوحدات التجارية أي نشاط تجاري سواء كان كشكاً بسيطاً أم محلاً أم مطعماً أم كافيتيريا أم مكتباً قانونياً أم تجارياً أم عيادة طبية وغير ذلك.

كذلك الحال بالنسبة للوحدات الصناعية والزراعية ودوائر ومؤسسات الدولة. ما يعني زيادة بعشرات المليارات من الدنانير تضاف إلى إيرادات الوحدات السكنية!

هل هذه الأجور قانونية؟

عن مدى قانونية هذه الأجور، يقول عضو اللجنة العليا لتنفيذ الإصلاح الضريبي الحكومية، خالد الجابري، أن "الأتمتة الحالية هي تحويل العملية من النظام الورقي إلى الإلكتروني، وان إضافة أي أموال لا تتم إلا بقانون يشرعه مجلس النواب بحسب المادة 28 من الدستور".

ويبين في حديث صحفي أن "رفع الأداء الوظيفي لأي جهة أو زيادة وارداتها لا يجب أن يتحمله المواطن، وحتى وإن كان هناك تقاطعاً مشتركاً بين الإيرادات والمواطن، فلا يجب تحمل المواطن كلفة الأعباء المالية".

وينص قانون هيئة النزاهة الاتحادية على اتخاذ "موقف صارم" إزاء أي رسوم إضافية يتم استيفاؤها من المواطنين دون سند قانوني، باعتبار أن ذلك يعد "استغلالاً وظيفياً يضر بالمال العام".

فساد جديد!

تنقل وكالة أنباء "شفق نيوز" عن مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء، قوله أن "هذه الأجور الإضافية ليس لها أي مبرر مالي ولا قانوني، وعائداتها ليس لها باباً محدداً، وجاءت ضمن توجه الحكومة نحو تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية".

ويوضح المسؤول الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، أنه "في بادئ الأمر تم فرض مبلغ ألفي دينار تحت باب أجور طباعة قوائم الكهرباء، على الرغم من عدم وجود هكذا باب في قسائم الكهرباء بل هناك فقرة (أجور أخرى)".

ويتابع قائلا أن "هذا التبويب وضع الوزارة في حرج كبير لكونها بالأساس تعمل بنظام التمويل الذاتي، بالإضافة إلى مخصصاتها من الموازنة الاتحادية، وبالتالي فالوزارة ليست بحاجة لهذا المبلغ لتغطية نفقات الطباعة".

ويضيف القول: "بعد إقرار جباية أجور الطباعة انتبهت الوزارة للمطب الذي وقعت فيه. فهو تزامن مع توجه الوزارة نحو الجباية الإلكترونية، التي تغني عن الطباعة الورقية. لذلك تغيرت التسمية من أجور طباعة الورق إلى (أجور اشتراك بالكهرباء)، وأيضاً حتى هذه التسمية ليس لها باب، بل تدخل ضمن (الأجور الأخرى)".

ويلفت المسؤول إلى انه "حتى تسمية (أجور اشتراك الكهرباء) مضحكة. فما يدفعه المواطن شهرياً هو أجور استهلاك الطاقة الكهربائية التي بطبيعة الحال هو مشترك فيها. لذلك ان الأمر لا يخرج عن كونه فساداً جديداً يدفعه المواطن وليس خزينة الدولة ومؤسساتها، لكن الوزارة تخطت ذلك وذهبت نحو جيوب المواطنين"!

ويشير إلى انه "حتى فقرة (أجور أخرى) الموجودة في قسيمة أجور استهلاك الكهرباء هي بحد ذاتها تبويب للفساد المالي. فما هي طبيعة هذه الأجور الأخرى ولماذا يتحملها المواطن أساساً وهو لا يكلف الدولة سوى نفقات التيار الكهربائي؟".

ويرجح المسؤول أن تكون هذه الأجور الإضافية رد فعل على قيام هيئة النزاهة بفتح ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء "لتسديد عشرات وربما مئات المليارات من الدنانير التي تم اختلاسها من قبل موظفين ومسؤولين في الوزارة طوال السنوات الماضية، من أجور استهلاك الكهرباء".

يشار إلى أن هيئة النزاهة الاتحادية بدأت منذ العام 2024 بفتح ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء وأصدرت أوامر قضائية عدة بحق المتورطين بتلك الملفات.

وكان آخرها ما يُعرف بـ"لجنة دريم سيتي"، والتي تتعلق بتسوية مبالغ بمليارات الدنانير كأجور استهلاك للكهرباء في عدد من المجمعات والمولات التجارية في بغداد مقابل تسديد مبالغ تُعد "زهيدة" مقارنة بالأجور الفعلية.

كذلك قضية الجمعية التعاونية لإسكان موظفي وزارة الكهرباء. والمتهم الرئيس بها هو رئيس الجمعية والمتحدث السابق باسم الوزارة. حيث صدرت بحقه في آذار 2026، أوامر قبض ومنع من السفر وحجز الأموال، في قضية يقدر مبلغ الاختلاس فيها بالمليارات أيضاً.

مخالفة دستورية

إلى ذلك، يرى الخبير القانوني حسن زياد الركابي، أن "فرض أجور إضافية على المواطن دون تقديم خدمة فعلية يتعارض مع المادة 28 من الدستور العراقي".

ويوضح في حديث صحفي أن "هذه المادة تشترط أن تؤطر الرسوم المفروضة بقانون واضح، وبالتالي فإن فرض هذه الرسوم بلا قانون، يمس مبدأ حماية المال العام المنصوص عليه في المادة 27 من الدستور، ما يستدعي مراجعة هذه الإجراءات لضمان عدالتها وشفافيتها".