اخر الاخبار

في مشهد يتكرر يومياً عند مواقع الطمر في أطراف المدن، ينشغل أطفال صغار بفرز النفايات بحثاً عن مورد رزق، في بيئة تفتقر لأبسط شروط السلامة، وسط غياب فعلي للحماية القانونية والاجتماعية، ما يعكس تعقيداً عميقاً في ملف عمالة الأطفال في العراق.

حرمان متعدد الأوجه

تقول براء محمود، ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان، تهتم بملف حماية الطفل، إن الأطفال العاملين في مواقع الطمر يواجهون حرمانا متعدد الأوجه، يبدأ بانتهاك حقهم في التعليم، ولا ينتهي عند تعرضهم لمخاطر صحية جسيمة نتيجة العمل في بيئات ملوثة وخطرة. وتوضح أن استغلال أوضاعهم الاقتصادية يدفع بهم إلى أعمال منخفضة الأجر وغير منظمة، تتعارض بشكل مباشر مع مبادئ اتفاقية حقوق الطفل، خصوصاً ما يتعلق بالحماية من العمل الخطر، والحق في التعليم والعيش بكرامة.

وتؤكد محمود لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع لا يمكن اعتباره مجرد مساهمة من الطفل في إعالة أسرته، بل هو شكل صريح من أشكال عمالة الأطفال الخطرة، يصل إلى حد كونه "جريمة بحق الطفولة"، لما يتركه من آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.

وترى محمود أن الفقر يمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل، في ظل تدني المستوى الاقتصادي للأسر، وعدم قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية. ويزداد الأمر تعقيداً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة، وضعف في الخدمات التعليمية، حيث تعاني المدارس من الاكتظاظ وتراجع جودة التعليم، ما يجعل ترك الدراسة خياراً "طبيعياً" لدى كثير من العائلات، مقابل التوجه إلى العمل في الشوارع أو مواقع الطمر.

وتلفت إلى أن النزاعات التي شهدها العراق، خاصة بعد عام 2003، وما رافقها من فقدان للمعيل وتراجع في دور الدولة، أسهمت في دفع العديد من الأطفال إلى العمل في سن مبكرة، في ظل غياب التعويضات والدعم الكافي للأسر المتضررة، ما رسخ هذا الواقع كجزء من الحياة اليومية.

المجتمع صار يتقبل عمالة الأطفال

وتضيف أن أحد أخطر التحولات يتمثل في تنامي تقبل المجتمع لعمل الأطفال، حيث أصبح مشهداً مألوفاً لا يثير الاستغراب، نتيجة ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية وغياب المحاسبة، الأمر الذي يكرّس الظاهرة بدلاً من الحد منها.

وفي تقييمها للإجراءات الحالية، تؤكد محمود أن هناك قصوراً واضحاً لا يرتبط فقط بغياب القوانين، بل بضعف تطبيقها، إذ إن التشريعات موجودة لكنها تفتقر إلى الرقابة الفاعلة، فضلاً عن غياب التنسيق بين الجهات الحكومية، وقلة البرامج الواقعية التي تستهدف دعم الأسر الفقيرة، ما أدى إلى تفكك منظومة الحماية بشكل عام.

وتحذر من أن التعامل غير الجدي مع هذه القضية أدى إلى اتساع فجوة خطيرة، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص التشريع، بل في "فجوة التنفيذ" التي تعرقل أي تقدم حقيقي في هذا الملف.

وتطرح محمود جملة من الحلول التي يمكن أن تسهم في الحد من الظاهرة، من بينها فرض إلزامية التعليم دون استثناء، وتقديم دعم مالي مباشر للأسر الفقيرة، إلى جانب توفير وجبات مدرسية أو حوافز تشجع الأطفال على العودة إلى مقاعد الدراسة. كما تدعو إلى اعتماد برامج تعليم مرنة، مثل الدوام المسائي، لاستيعاب الأطفال العاملين، فضلاً عن ضرورة توفير فرص عمل لائقة للبالغين لتقليل اعتماد الأسرة على دخل الطفل.

وتشدد كذلك على أهمية إتاحة المجال أمام منظمات المجتمع المدني للتدخل عبر برامج حماية وإعادة دمج الأطفال، بالتوازي مع حملات توعية مجتمعية تؤكد أن تعليم الطفل هو استثمار في المستقبل، وليس عبئاً اقتصادياً على الأسرة.

أطفال بين الدراسة والعمل

يقول حسين العكيلي، يعمل معلما في احدى المدارس الحكومية، إن "الظروف الاقتصادية باتت اليوم المحرك الرئيس لتسرب الطلبة من المدارس، إذ نلاحظ تزايد حالات الغياب المرتبطة بالعمل، حيث يضطر عدد من الأطفال إلى التوجه لأعمال شاقة بعد الدوام أو خلاله، فيما يصل بعضهم إلى الصفوف وهم في حالة إرهاق شديد أو دون تركيز، بسبب ما يتحملونه من أعباء تفوق أعمارهم".

ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن "كثيراً من الطلبة يبدأون بمحاولات جادة للجمع بين الدراسة والعمل، لكنهم سرعان ما يواجهون صعوبة في الاستمرار، إذ يتراجع مستواهم الدراسي تدريجياً، ويشعرون بالعجز أمام متطلبات الدراسة، ما يدفعهم إلى الانسحاب بصمت، رغم امتلاكهم رغبة حقيقية في التعلم".

ويشير إلى أن "الجانب النفسي لا يقل أهمية، فبعض الطلبة يعانون من شعور دائم بالحرج نتيجة أوضاعهم المعيشية، سواء بسبب ملابسهم أو عدم قدرتهم على توفير المستلزمات الدراسية، ما يجعلهم عرضة أحياناً لتعليقات أو سلوكيات مؤذية من قبل أقرانهم، الأمر الذي يعزز لديهم الرغبة في الابتعاد عن البيئة المدرسية".

ويتابع، أن "بعض الطلبة الذين ينقطعون عن الدراسة يتحولون بشكل كامل إلى سوق العمل، ونفقد التواصل معهم تدريجياً، في حين تبقى فرص إعادتهم إلى التعليم قائمة لكنها تحتاج إلى تدخل مبكر ودعم حقيقي، خاصة أن عدداً منهم لا يزال يحتفظ برغبة داخلية في العودة إلى مقاعد الدراسة".

ويؤكد، أن "دور المدرسة يتركز على الاحتواء وتقديم الدعم المعنوي، وأحياناً المساعدة بوسائل بسيطة مثل توفير القرطاسية أو متابعة حالات الغياب، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم المشكلة"، مشدداً على أن "معالجة الظاهرة تتطلب سياسات واضحة وبرامج دعم موجهة للعائلات الفقيرة، إلى جانب تفعيل التعليم المسرع ومراكز محو الأمية، لفتح باب العودة أمام الطلبة الذين أجبرتهم الظروف على ترك التعليم".

وفي وقت تتزايد فيه التحديات التي تحيط بالأطفال، تبرز إشكاليات قانونية واجتماعية تعكس فجوة واضحة بين النصوص التشريعية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع، ما يضع الاف الأطفال أمام مصير غير مستقر تتداخل فيه مخاطر الفقر والاستغلال وغياب الحماية. 

حقوق معرضة لانتهاك مستمر

من جهتها، تقول منى جعفر، مختصة بالشأن القانوني إن الطفل العراقي يواجه اليوم واقعاً قانونياً هشاً، فرغم وجود نصوص تكفل حقوقاً أساسية كالتعليم والرعاية الصحية، إلا أنها تبقى ناقصة من حيث التنفيذ، وتفتقر إلى أدوات رقابية فعالة تضمن الالتزام بها، ما يجعل هذه الحقوق عرضة للانتهاك المستمر.

وتشير جعفر في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن الإشكالية لا تقف عند حدود ضعف التطبيق، بل تتعداها إلى تضارب واضح في بعض القوانين، ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات حماية الطفولة، لا تزال هناك ثغرات قانونية تسمح بتزويج القاصرات، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال الفتيات الصغيرات وحرمانهن من حقهن في التعليم والنمو الطبيعي، ويدفع بهن في كثير من الأحيان إلى مواجهة أعباء معيشية قاسية قد تنتهي بهن في سوق العمل غير القانوني.

وتسلط منى الضوء على تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، مؤكدة أن غياب الرقابة القانونية الصارمة أسهم في انتشارها بشكل مقلق، حيث يعمل الأطفال في بيئات خطرة وغير آمنة، ويتعرضون لأضرار جسدية ونفسية، في وقت كان من المفترض أن يكونوا فيه داخل المدارس، ما ينذر بتكوين جيل يعاني من هشاشة معرفية ونفسية عميقة.

وتضيف أن ملف الأطفال المشردين يكشف جانباً آخر من الأزمة، إذ تعاني دور الإيواء الحكومية من محدودية السعة الاستيعابية، ما يصعّب عملية إيداع الأطفال فيها لحمايتهم، فضلاً عن ضعف الإمكانات وقلة الكوادر المختصة.

وتوضح أن عدد مراقبي العمل في بغداد محدود جداً، ولا يتناسب مع حجم الظاهرة، الأمر الذي يضعف قدرة الجهات المعنية على متابعة الانتهاكات وضبطها.

وتلفت الى ان "قانون حماية حقوق الطفل، الذي بقى معلقاً منذ ثلاث دورات برلمانية دون إقرار، رغم ما يمثله من إطار قانوني شامل، يمكن أن ينظم حقوق الطفل ويحد من عمالة الأطفال، ويغلق الثغرات التي تسمح باستغلال القاصرات، فضلاً عن فرض عقوبات رادعة بحق المخالفين".

وترى منى أن استمرار تعطيل هذا القانون لا يعني سوى تأجيل الحلول وتعميق الأزمة، مشددة على أن حماية الطفل يجب أن تتحول من شعارات إلى التزام فعلي يبدأ من المؤسسة التشريعية، ويمتد إلى مؤسسات الدولة كافة، لضمان بيئة آمنة تتيح للأطفال حياة كريمة ومستقبلاً أكثر استقراراً.