اخر الاخبار

لا يزال ملف الضمان الصحي في العراق كواحد من أكثر المشاريع إثارة للجدل، بسبب  آليات تطبيقه وتوقيته؛ فبينما يُفترض أن يشكل هذا النظام خطوة نحو تحقيق العدالة في الوصول الى الخدمات الطبية وتخفيف العبء المالي عن المواطنين، تتكشف في المقابل تحديات معقدة تضع علامات استفهام كبيرة حول قدرته على تحقيق أهدافه في بيئة صحية تعاني اختلالات عميقة.

إذ يصطدم تطبيق الضمان الصحي، بواقع تتداخل فيه محدودية البنى التحتية مع نقص الكوادر الطبية وتذبذب توفير الأدوية، فضلاً عن فجوة واضحة بين الطلب المتزايد على الخدمات الصحية والإمكانات المتاحة فعلياً.

وفي ظل هذا المشهد، تتحول بعض الإجراءات التنظيمية، مثل (نظام الإحالة) وتحديد مسارات العلاج، من أدوات يفترض أن تعزز كفاءة الخدمة الى عوائق قد تعرقل وصول المرضى الى الرعاية في الوقت المناسب.

نماذج مستوردة لا تناسب الواقع!

ويثير اعتماد نماذج تنظيمية مستوردة من أنظمة صحية متقدمة تساؤلات حول مدى مواءمتها للواقع المحلي، في ظل غياب الأرضية المؤسسية القادرة على استيعابها. فنجاح أي نظام ضمان صحي لا يرتبط فقط بالتشريعات، بل يتطلب بنية متكاملة تضمن جودة الخدمة، وسهولة الوصول، واستمرارية الرعاية، وهي عناصر لا تزال موضع اختبار حقيقي في التجربة العراقية.

وبين الطموح في بناء نظام صحي أكثر شمولاً، والواقع الذي يفرض قيوده، تتعاظم الحاجة إلى قراءة معمقة لهذا المشروع، لا بوصفه إجراءً إدارياً أو مالياً فحسب، بل كتحول بنيوي يمس صميم العلاقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، ويحدد ملامح الثقة بمستقبل الرعاية الصحية في البلاد

مغامرة صحيّة تهدد سلامة المرضى

في هذا الصدد، حذّر طبيب عراقي مختص، لم يرغب في الكشف عن اسمه، من أن المضي في تطبيق نظام الضمان الصحي بالشكل الحالي يمثل مغامرة غير محسوبة، لافتاً إلى أن أي نظام تأميني صحي لا يمكن أن ينجح ما لم يُبنَ على ثلاثة مرتكزات علمية أساسية: كفاية البنية التحتية، استقرار سلسلة الإمداد الدوائي، وتوفر الكوادر الطبية المؤهلة.

وقال الطبيب في حديث مع "طريق الشعب"، أن الأنظمة الصحية الحديثة تعتمد على مبدأ استمرارية الرعاية وتكامل مستويات الخدمة، وهو ما يتطلب وجود شبكة فعّالة من طب الأسرة قادرة على العمل على مدار الساعة، وليس مجرد عناوين إدارية.

وأضاف أن فرض نظام إحالة في بيئة تفتقر الى هذا التكامل سيؤدي عملياً الى تعطيل وتأخير التشخيص وزيادة معدلات المضاعفات، خصوصاً في الأمراض الحادة والمزمنة غير المسيطر عليها.

وأشار إلى أن أي نظام ضمان صحي يجب أن يضمن الوصول العادل والفوري للخدمة، بينما القيود الإجرائية الحالية، مثل الإحالات المسبقة وتحديد مسارات العلاج، قد تتحول الى حواجز وصول تُقصي شرائح واسعة من المرضى، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو الخدمات المحدودة.

وتابع أنه من الناحية الاقتصادية الصحية، فإن نقل جزء من العبء إلى المواطن تحت غطاء تنظيم الخدمة دون تحسين الجودة، يمثل خللاً في مبدأ القيمة مقابل الكلفة، حيث يُطلب من المريض الالتزام بنظام لا يضمن له نتائج صحية أفضل، بل قد يفاقم من معاناته.

وانتقد الطبيب غياب مؤشرات الأداء الحقيقية في تقييم جاهزية النظام، مؤكداً أن أي إصلاح صحي لا يُقاس فقط بعدد المراجعات أو الإجراءات، بل بمعدلات الشفاء، انخفاض الوفيات القابلة للتجنب، وتحسن جودة الحياة.

وختم بالقول إن فرض الضمان الصحي قبل إصلاح الأساس الطبي للنظام هو أشبه ببناء هيكل إداري فوق أرضية هشة،  محذراً من أن الاستمرار بهذا النهج قد يؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين بالمؤسسات الصحية، وهو أخطر من أي عجز مالي أو إداري.

قرارات مستنسخة

من جانبه، اكد الطبيب المختص د. فاضل المندلاوي، أن الحديث عن تطبيق الضمان الصحي في العراق يصطدم بواقع صحي غير مؤهل لتحقيق التغطية الشاملة، مشيراً الى أن أغلب الدول تتجه نحو هذا النظام، إلا أن العراق يفتقر إلى مقوماته الأساسية.

وقال المندلاوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "عدد المؤسسات الصحية الحالية لا يتناسب مع حجم السكان"، موضحاً أن العراق "يمتلك نحو (1700) مركز صحي فقط، في حين أن الحاجة الفعلية تتجاوز (3500 – 4000) مركز، ما يعني وجود عجز يقارب النصف، وهو ما يجعل تحقيق التغطية الشاملة أمراً غير ممكن في ظل هذا النقص".

وأضاف أن الأزمة "لا تتوقف عند البنية التحتية، بل تمتد إلى نقص الأدوية الأساسية"، لافتاً إلى أن "قائمة الأدوية الأساسية تضم نحو (180) دواءً، في وقت لا توفر فيه وزارة الصحة، حتى في أفضل حالاتها، سوى نحو 30 في المائة منها".

وتساءل “كيف يمكن تطبيق نظام ضمان صحي دون توفير الأدوية الأساسية للمواطنين؟”، مشيرا إلى أن نجاح الضمان الصحي يتطلب رفع مستوى الخدمات في المؤسسات الحكومية لتكون قريبة من نظيرتها في القطاع الخاص، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تردي واضح في مستوى الخدمات، ما قد يحول الضمان إلى إجراء شكلي يفتقر إلى مضمون حقيقي.

وفي ما يتعلق بنظام الإحالة، بيّن المندلاوي أنه من حيث المبدأ يبدو النظام منطقيا، لكنه مشروط بتوفر أطباء الأسرة بشكل كافٍ ويعملون على مدار الساعة، وهو ما يفتقر إليه العراق، إذ لا يغطي العدد الحالي سوى جزء محدود من الحاجة الفعلية، فضلاً عن غيابهم في العديد من المراكز الصحية وخارج أوقات الدوام.

وانتقد المندلاوي اعتماد قرارات مستنسخة من أنظمة صحية متقدمة وذات جودة عالية، دون مراعاة خصوصية الواقع العراقي، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن فقط في متخذي القرار، بل في صناع القرار الذين لا ينقلون الصورة الحقيقية للواقع الصحي، ما يؤدي إلى إصدار قرارات بعيدة عن التطبيق العملي.

وخلص الى القول إن التقارير الرسمية التي تصل الى الجهات العليا غالباً ما تعكس صورة مثالية ووردية عن المؤسسات الصحية، الأمر الذي يساهم في تعميق الفجوة بين القرار والواقع.