اخر الاخبار

لا يزال الكاش يحتفظ بمكانته كوسيلة الدفع الأكثر حضوراً في الحياة اليومية العراقية، رغم التوسع التدريجي في خدمات الدفع الإلكتروني. فبينما تتطور الأنظمة المالية وتتعدد البطاقات والتطبيقات المصرفية، يظل التعامل النقدي التقليدي الخيار المفضل لدى شريحة واسعة من المواطنين، باعتباره الأسرع والأبسط والأكثر أماناً من وجهة نظرهم، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالثقة في الخدمات المصرفية واستقرارها.

وتواجه وسائل الدفع الإلكتروني تحديات حقيقية تحول دون انتشارها بشكل واسع، منها – وفقا لمراقبين - ضعف الثقة في الأنظمة الرقمية، ومخاوف تتعلق بالأمان وحماية الأموال، إلى جانب محدودية البنى التحتية الرقمية، وتكرار الأعطال في أجهزة الدفع ونقاط البيع. فكل ذلك يساهم في ترسيخ هذا التردد، ما يجعل المواطن يفضل اللجوء إلى الكاش كخيار أكثر أمانا وسرعة، خاصة مع غياب ضمانات واضحة تعزز ثقته في التعاملات الإلكترونية.

ويضاف إلى ذلك – حسب المراقبين - أن الثقافة المالية المرتبطة باستخدام الوسائل الرقمية لا تزال محدودة نسبيا، ما يجعل فئات واسعة من المجتمع غير مهيأة بالكامل للتخلي عن النقد، خصوصا مع انتشار الأسواق غير المنظمة التي تعتمد بشكل شبه كلي على التعاملات النقدية.

مخاوف من السرقة

في حديث صحفي، يقول المواطن طه أحمد انه يفضل استخدام النقد في تعاملاته اليومية بدلا من بطاقات الدفع الإلكتروني، رغم امتلاكه بطاقة مصرفية، موضحا أنه لا يستخدم البطاقة إلا عند نزول راتبه، حيث يقوم بسحبه كاملا فورا.

ويضيف قوله أن السبب يعود إلى سهولة التعامل بالكاش من جهة، إلى جانب مخاوف متداولة بشأن احتمال حدوث عمليات سرقة أو سحب غير مبرر من البطاقات دون علم أصحابها أو إشعار مسبق من المصارف.

ووفقاً لأحمد، فإن هذه المخاوف، سواء كانت صحيحة أم مجرد أحاديث شائعة، دفعته إلى تجنب الاحتفاظ بأي مبالغ داخل البطاقة، والاعتماد بدلاً من ذلك على النقد في جميع معاملاته اليومية، مبيناً أن ضعف الثقة في وسائل الدفع الإلكتروني لا يزال عاملاً مؤثراً لدى شريحة من المواطنين، رغم انتشار هذه الخدمات بشكل متزايد.

وتشير إحصائيات إلى أن عدد بطاقات الدفع في العراق تجاوز 20 إلى 22 مليون بطاقة، إلا أن الاستخدام الفعلي يبقى أقل من حجم التوزيع. كما يوضح البنك المركزي أن حجم الكتلة النقدية يبلغ 93 تريليون دينار، في حين لا يتجاوز الموجود داخل المصارف 11 تريليون دينار.

ضعف الوعي المالي

من جانبه، يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن "الاقتصاد غير الرسمي لا يزال يشكل حصة كبيرة من النشاط الاقتصادي في العراق، ما يعزز الاعتماد على النقد في التعاملات اليومية، خصوصاً في الأسواق والأعمال الصغيرة".

ويرى في حديث صحفي، أن العوامل الثقافية وضعف الوعي المالي الرقمي تلعب دوراً في تفضيل الكاش، إلى جانب بعض المخاوف المرتبطة بالرسوم أو الأخطاء التقنية، مشيراً إلى أن العديد من حاملي بطاقات الدفع يستخدمونها لسحب الرواتب فقط، ما يحد من انتشارها كوسيلة دفع فعلية.

في المقابل، يلفت صالح إلى وجود مؤشرات إيجابية متنامية "إذ يشهد العراق توسعاً ملحوظاً في استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني، خاصة في محطات الوقود وبعض الخدمات، بدعم من البرنامج الحكومي للإصلاح الاقتصادي والمصرفي".

ويتابع حديثه بالقول أن "جهود الحكومة تتقدم في تعزيز التحول الرقمي عبر التوسع في الجباية الإلكترونية، ونشر الشمول المالي، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات، إلى جانب تقديم حوافز لتشجيع الاستخدام"، مضيفاً أن "العراق يسير تدريجياً نحو ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني، مدعوماً بإصلاحات مستمرة تهدف إلى بناء نظام مالي رقمي أكثر كفاءة واستقراراً".

وبحسب تقارير تحدثت عنها وكالات أنباء، فإن نحو 90 إلى 95 في المائة من المدفوعات في العراق لا تزال نقدية (كاش).

ثقافة الدفع الرقمي

في السياق، يرى الخبير المالي محمود داغر، أن "الانتقال من التعامل النقدي إلى الدفع الإلكتروني لا يُعد مجرد خطوة تقنية، بل هو تحول ثقافي يحتاج إلى وقت ووعي مجتمعي، ولا يمكن تحقيقه خلال فترة قصيرة".

ويقول في حديث صحفي أن "هذه العملية تواجه تحديات عدة، أبرزها عدم اكتمال الدورة الاقتصادية بشكل منظم، بما يشمل تسجيل المحال التجارية، وتوثيق الأملاك، وفتح الحسابات المصرفية، وهي عوامل أساسية لخلق بيئة مالية رقمية متكاملة".

ووفقا لداغر، فإن غياب شريحة واسعة من المستهلكين والبائعين عن النظام المصرفي يحد من توسع استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، موضحاً أن تعزيز هذا التحول يتطلب رفع مستوى الثقة في القطاع المصرفي، إلى جانب تقديم حوافز مشجعة للمستخدمين، سواء من المستهلكين أم أصحاب الأعمال، مثل الخصومات أو المزايا الإضافية مقارنة بالدفع النقدي.

ويبيّن أن "فرض الدفع الإلكتروني بشكل إجباري قد لا يحقق نتائج إيجابية، بل إن تشجيع الاستخدام الطوعي عبر الحوافز هو الطريق الأكثر فاعلية"، لافتاً إلى أن "منظومة الدفع الإلكتروني في العراق لا تزال حديثة نسبياً، إذ بدأت بالظهور قبل نحو عامين فقط، ما يجعلها في مرحلة التأسيس الأولى، مع توقعات بتطور تدريجي وزيادة في معدلات الإقبال خلال الفترة المقبلة".

ضعف البنية التحتية المصرفية

يشير مراقبون واختصاصيون إلى أن معظم دول العالم اتجهت نحو الاعتماد على أنظمة الدفع الإلكتروني، مع تراجع كبير في استخدام النقد في العديد من المعاملات اليومية، في إطار التحول نحو الاقتصاد الرقمي.

ويوضحون أن الدفع الإلكتروني في العراق يمثل خطوة إيجابية نحو التطور المالي، إلا أنه يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية المصرفية، والحاجة إلى تعزيز دور البنك المركزي في هذا المجال، فضلاً عن محدودية الوعي بالثقافة المالية الرقمية لدى شريحة من المواطنين.

ويلفت هؤلاء إلى أن هناك حاجة إلى رقابة ومتابعة أكثر فاعلية من قبل البنك المركزي والجهات المعنية على شركات الدفع الإلكتروني، في ظل وجود استقطاعات مالية تُفرض على بطاقات الموظفين والمتقاعدين، فضلا عن إيداع الأموال وسحبها، مشيرين إلى ان تطوير هذا القطاع يتطلب معالجة هذه التحديات بشكل متكامل، لضمان بناء نظام دفع إلكتروني أكثر كفاءة وثقة.

الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي

إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي محمد الحسني، أن "هيكل السيولة في العراق لا يزال يعكس اعتماداً مرتفعاً على النقد"، مبيناً أن "نحو 40 إلى 45 في المائة من الكتلة النقدية لا تزال خارج الجهاز المصرفي، في حين لا تتجاوز نسبة الأموال داخل البنوك 55 إلى 60 في المائة".

ويعتقد في حديث صحفي أن "هذا الواقع يعكس تحديات هيكلية في القطاع المالي، أبرزها ضعف الثقة في المصارف وتراجع استخدام الأدوات المصرفية الحديثة مقارنة بالتعامل النقدي المباشر".

وينوّه الحسني إلى ان "أغلب مناطق العراق، خاصة أسواق الجملة مثل الشورجة وجميلة وغيرها، لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الكاش في التعاملات اليومية، مع ضعف الإقبال على الدفع الإلكتروني نتيجة عدم الثقة  في المصارف والخوف من المشكلات الفنية أو الأمنية المرتبطة بالبطاقات والحسابات البنكية".