اخر الاخبار

منذ انطلاق الضربات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 شباط الفائت، وجد المواطن العراقي نفسه محاطاً بمخاوف تتعلق باحتمال إغلاق الممرات الملاحية واضطراب سلاسل توريد الطعام. واشتدت تلك المخاوف بعد ان توقف فعلا تصدير النفط إثر إغلاق مضيق هرمز.

ودفعت الحرب الدائرة في المنطقة، وما يرافقها من تداعيات ومخاوف من اتساع نطاقها، كثيراً من المواطنين إلى التسابق على تخزين المواد الغذائية الأساسية. إذ شهدت الأسواق إقبالاً متزايداً على شراء مواد مثل الرز والطحين والزيت والسكر، في محاولة من العائلات لتأمين احتياجاتها تحسبا لأي اضطراب محتمل في الإمدادات أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، خاصة مع القلق من تأثير إغلاق مضيق هرمز على حركة التجارة وتدفق السلع إلى البلاد.

وفي المقابل، لا يجد الفقراء ومحدودو الدخل أنفسهم قادرين على خوض هذا السباق نحو التخزين، بسبب ضعف قدراتهم الشرائية واعتمادهم على الدخل اليومي لتأمين احتياجاتهم الأساسية. ويشير مواطنون إلى أن هذه الشريحة تكتفي بشراء ما يسد حاجتها ليوم أو يومين، ما يجعلها الأكثر عرضة للضرر في حال حدوث أي نقص في السلع أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار.

ويحذر خبراء وتجار من أن الهلع الاستهلاكي والإقبال غير المسبوق على تخزين المواد الغذائية والدواء والوقود يخلق أزمات ذاتية، رغم تطمينات الجهات الحكومية بتوفر مخزون استراتيجي يكفي لفترة طويلة.

وفي وقت سابق، أكدت وزارة التجارة أن الوضع الغذائي في البلاد مستقر وتحت السيطرة ولا توجد أي مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن توفر المواد الغذائية في الأسواق. غير ان التطمينات الحكومية لا تبدو كافية لتهدئة مخاوف شريحة كبيرة من المواطنين. إذ تتداخل تداعيات الحرب مع أزمة ثقة متراكمة بين الشارع والسلطات. فسنوات من الأزمات الاقتصادية والتقلبات في أسعار السلع وتأخر الرواتب في بعض الفترات، فضلا عن ضعف الشفافية في إدارة الملفات الاقتصادية، كل ذلك جعل كثيرين يتعاملون بحذر مع أي تطمينات رسمية.

ويرى مواطنون أن التجارب السابقة دفعتهم إلى الاعتماد على مبادرات فردية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، تحسبا لأي اضطراب محتمل في الأسواق أو سلاسل التوريد، خاصة في ظل إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على صادرات النفط وما قد يرافقه من ضغوط مالية على الدولة.

العامل النفسي

وفي بغداد، يرى تاجر المواد الغذائية أبو علي أن "مشهد التسابق على شراء المواد الغذائية والسلع يجمع بين التقليد السنوي لشهر رمضان واقتراب عيد الفطر، والتوتر الطارئ الناتج عن المخاوف من تداعيات الحرب"، لافتاً في حديث صحفي إلى أن "العامل النفسي المرتبط بتداعيات الحرب هو المحرك الأساسي".

ويضيف قائلا أن "الناس يشترون كميات تفوق حاجتهم الفعلية كإجراء احترازي، رغم توفر المواد واستقرار الأسعار"، مشيراً إلى أن ذلك يعود إلى الذاكرة العراقية وتجربتها مع الحرب والحصار.

أما المواطنة أم علياء، من بابل، فتقول أن "تجربة العقوبات في التسعينيات جعلت من خزن الغذاء والدواء فطرة وقائية لا يمكن التخلي عنها في ظل أي اضطراب سياسي أو اقتصادي".

أزمة ثقة

مع ان الحكومة طمأنت المواطن بوجود وفرة غذائية ووقودية، إلا ان ذلك لم يبدد مخاوفه. فهناك على ما يبدو أزمة ثقة بين الطرفين.

يقول سلام رحيم، وهو موظف من بغداد، إنه بدأ منذ أيام بتخزين بعض المواد الغذائية الأساسية، تحسبا لأي نقص محتمل في الأسواق.

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن التطمينات الحكومية لا تبدد مخاوفه بالكامل، لا سيما مع تصاعد التوتر في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، موضحا أن "كثيرين من المواطنين لا يثقون في تطمينات الحكومة، بحكم تجارب سابقة معها على مستويات مختلفة، سياسية واقتصادية وخدمية وأمنية، لم تتحقق فيها وعود".

ويلفت إلى ان "العراق أصلا يمر بظروف اقتصادية صعبة، وان توقف تصدير النفط قد ينعكس بشكل مباشر على الرواتب أو توفر السلع. لذلك نحاول أن نؤمّن ما نستطيع تأمينه من احتياجات عائلاتنا".

الشائعات تتلاعب بمزاج الشارع

من جهته، يربط الخبير الاقتصادي أحمد الجنابي سلوك التخزين بالوضع الإقليمي، مبيّنا أن الأوضاع المحيطة بالعراق وإغلاق طرق التجارة العالمية دفعت المواطن إلى البحث عن ملاذ آمن عبر التخزين.

ويشير في حديث صحفي إلى أن الشائعات لعبت دوراً أساسياً في تغيير مزاج الشارع، ما دفع المواطنين إلى الاكتناز خوفاً من استغلال المحتكرين وارتفاع الأسعار المفاجئ، فضلاً عن القلق من أزمة الرواتب في حال طال أمد الصراع.

وينوّه الجنابي إلى ان "نحو 70 في المائة من التجارة الاستهلاكية للعراق تمر عبر إيران، ما جعل ارتفاع الأسعار في بعض المفاصل أمراً واقعياً نتيجة التخوف من توقف هذا الشريان التجاري الحيوي".

المواطن يصنع الأزمة

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج أن السلوك الاستهلاكي يتحمل جزءاً من المسؤولية.

ويقول في حديث صحفي أن "المواطن أحياناً هو من يصنع الأزمة. فالإقبال المفرط على الشراء أحدث إرباكاً في الأسواق وساعد بعض التجار على الاستغلال"، مؤكدا أن "الأزمة في جوهرها أزمة ثقة بين المواطن والدولة، رغم تأكيدات وزارة التجارة وجود مخزون يكفي لعام كامل من الحنطة وستة شهور من المواد الأساسية".

وبحسب الفرج، فإن موقع العراق الجغرافي جعله جزءاً من الصراعات الإقليمية، والأزمات الجيوسياسية تؤدي عادة إلى ارتفاع الأسعار لا إلى نفاد المواد، وهنا يأتي دور الحكومة في الرقابة المكثفة على الأسواق.

بين التحذير والطمأنة

إلى ذلك، يحذر رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة صبيح الهاشمي، من النتائج السلبية المباشرة لأي حرب إقليمية.

ويقول في حديث صحفي أن "إغلاق مضيق هرمز وتعطل دخول البواخر يمثلان حالة سلبية كبرى، وبما أن العراق جار لإيران فإن الحرب تؤثر علينا بشكل مباشر وغير مباشر".

لكن رغم ذلك، يُطمئن الهاشمي المواطنين، ويدعوهم إلى "عدم القلق المفرط وشراء ما يكفي لأيام قليلة فقط، مع ضرورة عدم استغلال الوضع من قبل بعض التجار".