تواجه العاصمة بغداد تحدياً بيئياً وخدمياً متزايداً يتمثل في تراكم النفايات داخل الأحياء السكنية والأسواق، في مشهد بات يتكرر يومياً ويثير استياء السكان ومخاوف المختصين. وبين شكاوى المواطنين من تأخر رفع القمامة وتحول الأراضي الفارغة إلى مكبات عشوائية، تؤكد الجهات الرسمية استمرار جهودها في جمع النفايات دون فرض رسوم. غير أن خبراء وناشطين بيئيين يرون أن المشكلة لا تتعلق بجمع القمامة فقط، بل بغياب إدارة متكاملة ومستدامة للنفايات، في ظل تزايد كمياتها وتأثيراتها المباشرة على البيئة وصحة سكان العاصمة.
النفايات.. أزمة يومية
علي محمد، مواطن من سكنة إحدى مناطق البياع، يقول إن تكدس النفايات أمام البيوت والسوق أصبح أزمة يومية للسكان، موضحا أن تأخر وصول كابسات الأمانة لفترات قد تصل إلى ١٥ يوما يدفع البعض للتخلص من القمامة بشكل عشوائي.
ويضيف محمد لـ"طريق الشعب"، إن "أي قطعة أرض أو مساحة فارغة سرعان ما تتحول إلى مكب للنفايات، ما يزيد من انتشار الروائح الكريهة والحشرات والمنظر البشع. حتى إذا جاءت الكابسات يوميا من الأمانة، فإن الكمية الهائلة من القمامة لا تكفي لرفعها بالكامل، ما يدفع بعض العائلات للدفع مباشرة لكابسات القطاع الخاص من اجل رفع النفايات بشكل فوري".
ويقدر حجم النفايات التي تنتجها محافظة بغداد بين ٨-١٠ طن يومياً، بمعدل من 1 إلى 1.25 كغم من المخلفات يومياً، للفرد الواحد، بحسب إحصائيات رسمية، ما يشكل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية لإدارة النفايات.
الامانة: خدماتنا مستمرة ودون رسوم
يقول عدي الجنديل، المتحدث باسم أمانة بغداد، أن عمل النظافة مستمر على مدار الساعة، حيث تعمل الفرق بأربع وجبات يومية بمعدل عمل ست ساعات لكل وجبة، وذلك لضمان رفع النفايات والحفاظ على نظافة المدينة بشكل دائم.
ويضيف الجنديل لـ"طريق الشعب" أن الأمانة تمتلك أسطولًا كاملًا من الكابسات والعاملين في البلديات، وفي حال وجود نقص في المعدات، يتم استئجار كابسات من القطاع الخاص لتغطية الحاجة، مؤكدا أن رفع النفايات يتم دون أي رسوم على المواطنين.
وبشأن الشكاوى المتعلقة بجباية أي مبالغ مقابل خدمات النظافة، قال الجنديل إن الأمانة أطلقت تطبيقا لتلقي مثل هذه الشكاوى مباشرة، مشيرا إلى أن المناطق الزراعية تقع خارج صلاحيات الأمانة.
ويردف كلامه بأن بعض المواطنين يلجؤون للتعاقد مع متعهدين لرفع النفايات، وهو أمر خارج نطاق عمل أمانة بغداد، موضحًا أن الجهد الرسمي يهدف لضمان خدمة نظافة مجانية وشاملة لجميع مناطق العاصمة ضمن صلاحيات الأمانة.
الخلل في كيفية إدارتها
من جهتها، قالت الناشطة البيئية نجوان علي، ان واقع إدارة النفايات في بغداد لا يزال يواجه تحديات بيئية وصحية كبيرة، رغم الجهود الرسمية لجمع القمامة من الشوارع.
وأضافت نجوان في تعليق لـ"طريق الشعب"، ان المشكلة في بغداد ليست مجرد رفع النفايات من الشوارع، بل تتعلق بكيفية إدارتها بشكل شامل ومستدام: بغداد تفرز آلاف الأطنان من النفايات يوميا، وغالبية هذه الكمية تطرح في مكبات غير منظمة أو تُترك في الطرقات لفترات طويلة، ما يفاقم الأثر البيئي.
وتابعت القول ان "التأخير في جمع النفايات يؤدي إلى تراكمها في الأحياء، ما يدفع بعض السكان لحرقها بشكل فردي لإزالتها، وهذا التصرف يطلق في الهواء مواد سامة تسهم في تدهور جودة الهواء، وتزيد من مخاطر الأمراض التنفسية على السكان، خصوصا الأطفال وكبار السن".
وأشارت نجوان إلى أن المشكلة تتجاوز جمع النفايات، وتشمل نقص البنى التحتية لمعالجتها: ان غياب برامج فعالة لإعادة التدوير وتقنيات لمعالجة النفايات يترك ملايين الأطنان تُلقى في مكبات مفتوحة أو تُحرق بشكل غير منظم. وهذا لا يشكل خطرا بيئيا فحسب، بل يؤثر أيضا على الصحة العامة، ويُسرع في تدهور جودة الحياة في العاصمة.
وشددت على ضرورة مشاركة المجتمع بأسره في الحل، نحن بحاجة إلى استراتيجية بيئية متكاملة تشمل توعية المواطنين، تطوير محطات فرز النفايات، وتشجيع سياسات إعادة التدوير، إلى جانب تحسين قدرات الخدمات البلدية. النظافة لا تتحقق فقط بعمل الأمانة، بل بتعاون المجتمع المدني والمواطنين أنفسهم.
تداعيات تراكم النفايات!
وكشف محافظ بغداد عطوان العطواني، في تشرين الثاني من العام الماضي عن أبرز مصادر التلوث في العاصمة، مشيراً الى مكب النفايات في معسكر الرشيد، والطمر الصحي في النهروان، ومعامل الطابوق وحرق النفايات داخل الأحياء السكنية.
وبالحديث عن طرق التخلص من النفايات في بغداد وتأثيرها المباشر على البيئة وصحة السكان، يقول الخبير البيئي انعم ثابت أن بعض الممارسات الحالية تشكل تهديدا كبيرا، حيث الروائح والملوثات التي شهدتها العاصمة مؤخرا ناجمة بشكل رئيسي عن الحرق العشوائي للنفايات في مكب معسكر رشيد السابق، بالإضافة إلى الانبعاثات المتصاعدة من محطات الكهرباء والمصفى والمعامل الواقعة جنوب وجنوب شرق بغداد. هذه الأنشطة تنتج غازات ملوثة ودقائق ثقيلة تشمل أكاسيد الكبريت والنيتروجين، إضافة إلى الغبار الناتج عن الحرق العشوائي، ما يفاقم تلوث الهواء ويؤثر على صحة السكان."
وأضاف ثابت لـ"طريق الشعب"، أن "الظروف الجوية لعبت دورا كبيرا في تفاقم المشكلة. ومع انخفاض درجات الحرارة ووجود منخفض جوي، وتغير اتجاه الرياح إلى الجنوب الشرقي، تركزت هذه الملوثات في وسط العاصمة وضواحيها. ما يحدث هنا هو ما يُعرف بالانعكاس، حيث تنعكس هذه الدقائق الثقيلة إلى سطح الأرض، ما يجعل التلوث أخطر ويزيد من احتمالية التعرض للأمراض التنفسية."
وأكد ثابت أن طرق التخلص الحالية للنفايات غير كافية، مشيرا إلى ضرورة منع الحرق العشوائي وإدارة المكبات بشكل صحيح، مبينا ان "دور وزارة البيئة رقابي فقط، ولا تملك الوزارة قدرة تنفيذية لمنع هذه الممارسات. لذلك تقع المسؤولية على القوات الأمنية والجهات القطاعية ذات العلاقة، بما في ذلك وزارتي الكهرباء والنفط، والمعامل أيضا، لمنع الحرق العشوائي والتأكد من التزام المؤسسات بالمعايير البيئية."
وحذر من استمرار هذه الممارسات دون تدخل حكومي شامل: "إذا استمر تراكم النفايات والحرق العشوائي، سيستمر تدهور جودة الهواء ويزداد خطر الأمراض التنفسية على السكان. لذلك، نناشد الأمانة العامة، مجلس الوزراء، والوزارات المعنية بالتدخل الفوري لتطوير برامج إدارة النفايات تشمل المعالجة، منع الحرق، وإعادة التدوير، لضمان بيئة صحية ومستدامة للعاصمة".