تشهد أحياء سكنية عديدة في بغداد والمحافظات، تصاعدا ملحوظا في مخالفات البناء وتداخل الاستخدامات بين السكني والتجاري، وسط ضعف واضح في تطبيق الضوابط البلدية التي تتحدث عنها الجهات الرسمية. إذ تحوّلت منازل داخل أزقة وأحياء منظمة إلى ما يشبه عمارات متعددة الطوابق، أو مخازن وكراجات ومحال وبنايات تجارية، ما أحدث ضغطا كبيرا على البنى التحتية، وأفقد تلك المناطق طابعها السكني، فضلا عما شكّله ذلك من تشويه للتخطيط العمراني.
وكثيرا ما يشكو سكان تلك الأحياء من تراجع مستوى الخدمات وازدحام الشوارع وغياب أماكن وقوف السيارات، إضافة إلى الضوضاء والتجاوز على الخصوصية، نتيجة انتشار أنشطة لا تنسجم مع طبيعة المناطق السكنية. ويرون أن استمرار هذه التجاوزات يعكس غياب الرقابة الفعلية، أو عدم الجدية في فرض القانون.
فعلى الرغم من القوانين والضوابط والشروط الصارمة التي تتحدث عنها الجهات البلدية والخدمية المسؤولة، ومنها أمانة بغداد، بشأن منح اجازات البناء او الاستثمار داخل العاصمة، سواء للصنف التجاري أم السكني.. على الرغم من ذلك كله، إلا ان المخالفات تستمر، وكثيرا ما يتم تجاهل الضوابط.
ويرى مراقبون أن تجاوز البعض القانون، يؤشر عدم جدية في تطبيقه من قبل السلطات، معتقدين أيضا أن هناك اتفاقات مسبقة بين صاحب العقار والجهات المسؤولة لغض النظر عما يحدث!
وكانت أمانة بغداد قد أعلنت قبل نحو عامين، أن بناء أكثر من ثلاثة طوابق داخل الأحياء السكنية، وإنشاء ما يُعرف بـ"شقق التمليك"، يُعدّ مخالفة صريحة للضوابط، مشيرة إلى فرض غرامات تصل إلى 100 مليون دينار على المخالفين، الأمر الذي يعكس وجود إطار قانوني واضح يقابله خلل مستمر في التنفيذ والرقابة.
ومطلع العام الحالي أعلنت أمانة العاصمة ارتفاع نسبة الغرامات الخاصة بمخالفات البناء لـ 4 أضعاف. كما أفادت بأن مخالفة شروط البناء وغيرها ستترتب عليها غرامة تتراوح ما بين 25 إلى 50 مليون ديناراً، او قد يصل الامر الى ازالة المبنى بالكامل.
من منزل واحد إلى عشرات الشقق!
من يطلع على شروط منح اجازات البناء، سيجد انها لو طبقت بالشكل الصحيح لن يكون هناك وجود للفوضى البصرية والسكنية المنتشرة اليوم في الأحياء.
من أبرز تلك الشروط، هو أن تكون الأماكن التجارية أو السكنية المرغوب الحصول على اجازة بناء فيها، مطابقة لكافة الضوابط المنصوص عليها في كتاب مجلس الوزراء، والذي يفيد بأن تكون الأبنية المُنشأة في المدينة صديقة للبيئة وذات مساحات واسعة!
كما يُشترط أن تكون الأماكن التجارية أو السكنية المرغوب الحصول على اجازة بناء فيها، محتوية على مناطق خضراء وقادرة على استيعاب الطاقة الحرارية. وأيضا من الشروط أن يُخصص أحد طوابق المبنى كمكان لوقوف السيارات. هذا ما تقوله الشروط، بينما يقول الواقع غير ذلك!
وفقا لمراقبين، فإن الكثير من المناطق السكنية، لا سيما التي تتمتع بمواقع متميزة وبمساحات واسعة للبيوت والأراضي، أصبحت تجارية. إذ يتحوّل المنزل أو قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها 600 متر مربع او اكثر، الى بناية متعددة الطوابق داخل الحي السكني، او الى شقق سكنية متعددة.
ويرى المراقبون في حديث لـ"طريق الشعب"، أن القانون يمنع بناء اكثر من ثلاثة طوابق داخل الحي السكني، لكن يتم التحايل عليه بتقسيم القطعة السكنية وتحويلها إلى السكن التجاري، مبينين ان القطعة التي تبلغ مساحتها 600 مترا مربعا، على سبيل المثال، يتم تقسيمها 12 قطعة، كل واحدة مساحتها 50 مترا مربعا، ثم يُبنى على كل قطعة صغيرة 3 طوابق، لتتحوّل القطعة بالكامل إلى 36 شقة، ما يشكّل ضغطا كبيرا على البنية التحتية وخدمات الماء والكهرباء والمجاري، التي صُممت أساسا لاستيعاب كثافة سكانية محددة. فحين تتحول قطعة أرض واحدة إلى وحدات سكنية عدة، من دون توسعة موازية للبنى التحتية، ستتحول المشكلة من تجاوز عمراني إلى أزمة خدمات عامة تمسّ جميع سكان المنطقة.
فقدان الخصوصية
يؤكد مواطنون كثيرون أن التوسع في إنشاء البنايات المرتفعة داخل المناطق السكنية أدى إلى فقدان جزء كبير من خصوصيتهم. إذ باتت الشرفات والنوافذ العالية تطل مباشرة على حدائق المنازل وساحاتها الداخلية، مبينين أن هذا الواقع قيّد حركتهم داخل ممتلكاتهم الخاصة، وجعل استخدام الحدائق أو الجلوس في المساحات المفتوحة أمرا محفوفاً بالانكشاف، بعد أن كانت تلك الفضاءات تمثل متنفسا عائليا آمنا.
ويرى المواطنون أن السماح بإنشاء مبانٍ بارتفاعات لا تنسجم مع طبيعة الحي السكني أخلّ بالتوازن العمراني وأثر سلباً على نمط الحياة فيه، مُطالبين بأن يكون التنظيم العمراني مدروسا وبعيدا عن الفوضى وغير خاضع للمصالح الشخصية، وأن على الجهات ذات العلاقة الاستماع الى صوت الاهالي الذين فقدوا خصوصيتهم بسبب البناء غير القانوني لهذه المساكن.
ويلفت المواطنون المتضررون، إلى ان رخص البناء تُمنح بصورة عشوائية وبلا متابعة جدية. حيث تنتشر في مناطق مثل زيونة وشارع فلسطين وحي الجامعة والمنصور وغيرها من احياء بغداد، تجاوزات كبيرة، ما يؤشر تحايلا على شروط البناء وضوابطه.
يقول المواطن ليث عباس لـ"طريق الشعب"، أن "بناء العمارات التجارية والكراجات والمخازن داخل المناطق السكنية شوّه هوية تلك المناطق، وحولها من بيئة منظمة الى بيئة اخرى لا علاقة لها بالحي السكني.
ويضيف قائلا أن "هذا التشويه يجب ايقافه عن طريق مراجعة جميع التراخيص الممنوحة للبناء التجاري او السكني، وايقاف أي نشاط لا ينسجم مع صفتها السكنية، اضافة الى تشكيل لجان تحقيق شفافة لبيان آلية منح الموافقات لهذه الابنية والانشطة".
ماذا عن إجراءات البلدية؟!
من جانبه، يقول مدير عام دائرة بلدية الأعظمية مصعب العبيدي، في حديث صحفي تابعته "طريق الشعب"، أن "أمانة العاصمة تعمل وفق القوانين والضوابط النافذة التي تتمثل في إمكانيَّة إنشاء طابقين أو ثلاثة طوابق في المناطق السكنيَّة، ومن خمسة إلى ستة في المناطق التجارية"، منوهاً الى أن "غالبية المباني التي شُيدت بطبقات عدة كانت خلافاً للقوانين، ولم تُمنح لها إجازات بناء من قبل الدائرة البلديَّة".
ويضيف العبيدي قائلا أن "الأمانة اتخذت إجراءات قانونية مشددة ضد المخالفين تمثلت في إيقاف أعمال الإنشاء خارج الضوابط للمجمعات الصغيرة ضمن البناء العمودي التي أطلق عليها مصطلح (شقق تمليك) لبيعها إلى المواطنين على حساب منظومة الخدمات العامة الخاصة بالبنى التحتية".
وكانت عضو لجنة الخدمات البرلمانية مها الجنابي، قد أكدت في وقت سابق أن "هناك مخالفات كبيرة في عمليات البناء سواء في المنازل أم في الابنية التجارية والسكنية، وهذا سببه سوء المتابعة من قبل الجهات ذات الاختصاص، كذلك بعض عمليات الفساد، التي دفعت الى اكمال الكثير من اعمال البناء المخالفة".
بين تدوير الأموال وغسيلها!
يرى اختصاصيون في الاقتصاد، أن بعض مخالفات البناء لم تعد تقتصر على تجاوزات فردية، إنما تحوّلت في حالات معينة إلى نشاط منظّم يرتبط بالاستثمار العقاري غير المنضبط، لافتين إلى أنه في بعض الأحيان، يكون ذلك الاستثمار واجهة لعمليات غسيل أموال "إذ تُستغل قطع الأراضي السكنية في إنشاء مبانٍ متعددة الوحدات أو مجمّعات صغيرة تُعرض للبيع أو الإيجار، من دون الالتزام بالضوابط التخطيطية، ما يدر أرباحا سريعة على حساب النظام العمراني والخدمات" – حسب الاختصاصي في الاقتصاد علي ناظم.
وينوّه ناظم في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى ان "غياب الرقابة الصارمة وفتح ثغرات في تطبيق القانون شجّعا على توسّع هذه الظاهرة، الأمر الذي يتطلب إجراءات أكثر حزما لضبط سوق العقار ومنع استغلاله بطرق غير قانونية"، مضيفا القول أن "القطاع العقاري أصبح في بعض الحالات ملاذا لتدوير أموال غير منتجة، ما يشجع على التوسع العشوائي في البناء داخل الأحياء السكنية، بعيدا عن الحاجة الفعلية للسكن أو متطلبات التخطيط الحضري".