اخر الاخبار

يتجه القطاع الصحي في العراق إلى مرحلة أكثر هشاشة في ظل أزمة مالية تلقي ظلالها الثقيلة على مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المستشفيات الحكومية التي تعاني أساساً ضعف البنية التحتية والخدمات ونقص التجهيزات من أدوية ومستلزمات. ومع تراجع التمويل، بدأت آثار الأزمة تظهر بشكل أوضح في عجز دوائر الصحة عن تأمين أبسط الأدوية والخدمات الطبية، ما ينذر بتفاقم معاناة المرضى في بلد يواجه تحديات صحية مزمنة. ووفقاً لما تنقله وكالات أنباء عن أطباء ومرضى ومسؤولين محليين، فإن معظم مستشفيات البلاد سجلت أخيراً تراجعاً ملحوظاً في مستوى الخدمات الطبية التي باتت شبه معدومة في عدد منها.

وفي تصريح صحفي، أفاد عضو مجلس النواب ماجد شنكالي بأن "دوائر الصحة في معظم المحافظات باتت عاجزة عن تمويل احتياجاتها الأساسية من الأدوية والمستلزمات بسبب عدم صرف التخصيصات المالية من قبل وزارة المالية"، مؤكداً أن "هذا الواقع لا يقتصر على القطاع الصحي فحسب، بل يشمل معظم مؤسسات الدولة التي تعاني شح السيولة ونقص التمويل".  وأشار إلى أن "العراق يعيش في أصعب أيامه اقتصادياً ليس بسبب قلة الموارد، لكن لسوء إدارة هذه الموارد وفساد المؤسسات وإداراتها". ولا يمكن قراءة تداعيات تراجع تمويل القطاع الصحي بمعزل عن واقع هذا القطاع الذي يعاني أصلًا اختلالات متراكمة، تتمثل في نقص الأدوية وشح الكوادر الطبية وغياب الأجهزة الحديثة. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى الخدمات المقدمة في المستشفيات الحكومية، ما يدفع المرضى إلى اللجوء للعيادات والمختبرات والمستشفيات الأهلية، رغم الكلف المالية المرتفعة التي تفوق قدرة الشريحة الأوسع من المواطنين. وفي ظل هذا الواقع، يأتي تراجع التمويل ليزيد من تعقيد المشهد. إذ لا يقتصر أثره على تثبيط تطوير القطاع، بل يمتد ليعمّق أزماته القائمة، ويزيد من الفجوة بين الحاجة إلى الرعاية الصحية وإمكانية الحصول عليها.

صور من الأزمة

وشملت هذه الأزمة معظم مستشفيات البلاد، إلا أنها تجلت بصورة أكثر وضوحا في بعضها. إذ بدت مديريات الصحة عاجزة عن تأمين الأدوية الأساسية وتقديم الخدمات الطبية بالحد الأدنى المقبول، فضلا عن صعوبات متزايدة في توفير المستلزمات التشغيلية الضرورية لاستمرار العمل.

ميدانياً، وفي محافظة ديالى تحديداً، تكشف الحالة وضوحاً أكثر لتأثير الأزمة المالية على المشاريع الصحية الحيوية. فقد سبق أن أعلنت الإدارة المحلية لقضاء مندلي توقف العمل في مشروع مستشفى مندلي الحكومي ذي سعة 100 سرير، والذي يعد أكبر مؤسسة صحية جديدة في مناطق شرقي المحافظة.

وحسب تصريح صحفي لقائم مقام القضاء علي ضمد، فإن "نسبة إنجاز المستشفى بلغت نحو 90 في المائة خلال الفترة الماضية، قبل أن يتعثر المشروع بسبب نقص التخصيصات المالية، ما أدى إلى توقف العمل إلى حين توفير التمويل اللازم"، مؤكداً أن "مطالبات الأهالي تتزايد بإيجاد حلول عاجلة لاستكمال المشروع وإدخاله الخدمة في ظل الحاجة المتنامية للرعاية الصحية".

وفي الأنبار طالبت مديرية الصحة بعقد جلسة طارئة لمجلس المحافظة على خلفية توقف التمويل من وزارة المالية، محذرة من "كارثة صحية".

ووفقا لوثائق رسمية نشرتها وكالات أنباء، فإن مدير عام صحة الأنبار خضير خلف شلال، كشف عن توقف التمويل من وزارة المالية عن المؤسسات الصحية في المحافظة، منذ أكثر من سنة، مبيناً أن هذه الأزمة باتت تهدد استمرارية عمل المستشفيات والمراكز الصحية. وقال أن دائرته تمر بأزمة مالية خطيرة نتيجة توقف التمويل من وزارة المالية، ما أدى إلى تراكم الديون والالتزامات المالية، وأثر بشكل مباشر على قدرة الدائرة في إدارة تشغيل المستشفيات وقطاعات الرعاية الصحية الأولية والمراكز الصحية والمراكز التخصصية في عموم المحافظة". وأشار شلال إلى أن الأزمة أثرت على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والإعاشة وأعمال التنظيف والتعقيم إضافة إلى تعطل أغلب سيارات الإسعاف، ما يضع حياة المواطنين أمام خطر مباشر. وفي السياق، تنقل وكالة أنباء "العربي الجديد" عن مسؤول في وزارة الصحة قوله أن الأزمة المالية انعكست بالفعل على أداء بعض المؤسسات الصحية. وأوضح المسؤول الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، أن "تأخر إطلاق التخصيصات أثر في عمليات توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وصيانة الأجهزة"، موضحاً أن "الوزارة تحاول إدارة الموارد المتاحة وفق أولويات طارئة، غير أن استمرار الأزمة دون حلول مالية مستدامة قد يوسع فجوة الخدمات بين المحافظات ويزيد الضغط على المستشفيات المركزية".

ماذا عن خصوصية القطاع الصحي؟!

من جانبه، قال عضو نقابة الأطباء العراقيين هشام الفراجي، أن آثار الأزمة المالية باتت ملموسة داخل المستشفيات، سواء من حيث نقص الأدوية الأساسية أو تأخر صيانة الأجهزة الطبية، ما يضع الكوادر الطبية أمام تحديات إضافية في تقديم الخدمة"، مبينا في حديث صحفي أن "القطاع الصحي يحتاج إلى خصوصية تمويلية، تضمن عدم خضوعه للتجاذبات المالية المعتادة، نظراً إلى طبيعته الحساسة وارتباطه المباشر بحق المواطنين في العلاج". وأشار إلى أن "استمرار الأزمة المالية من دون معالجة جذرية يجبر المرضى على اللجوء إلى القطاع الخاص، بما يحمله ذلك من أعباء مالية إضافية على العائلات، خاصة ذات الدخل المحدود، كما قد يؤدي إلى تراجع الثقة في الخدمات الصحية الحكومية، في وقت يفترض فيه أن تشكل المستشفيات العامة صمام أمان اجتماعي للفئات الأشد حاجة".

وتأتي هذه التطورات في ظل واقع طبي متردٍ أساساً في البلاد، يتمثل في اكتظاظ المستشفيات، ونقص الأسرَّة، وضعف التجهيزات في عدد من المحافظات فضلاً عن عدم توفير الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية الحديثة، وهي مشكلات بنيوية تفاقمت اليوم مع شح التمويل.