اخر الاخبار

في مشهد يعكس عمق إشكاليات ملف العقارات بعد 2003 في العراق، كثفت الأجهزة الأمنية خلال الفترة الأخيرة ملاحقتها لمكاتب بيع العقارات وإيجارها، وهي مكاتب غير مرتبطة بالدولة يفترض أنها تعمل وسيطاً بين البائع والمشتري.

يأتي ذلك على أعقاب تصاعد عمليات احتيال وتزوير طاولت آلاف العقارات، لا سيما العائدة لمواطنين اضطروا إلى ترك منازلهم بسبب التهجير أو تدهور الأوضاع الأمنية في فترات سابقة.

هذا الملف، الذي ظل سنوات طويلة حبيس الشكاوى الفردية والإجراءات الوقتية، عاد إلى الواجهة بقوة مع تزايد البلاغات عن بيع وإيجار عقارات بطرق غير قانونية واستنادا إلى عقود مزورة أو وثائق غير أصولية، في محافظات عدة أبرزها بغداد والبصرة وصلاح الدين وكركوك وديالى وغيرها، وسط اتهامات بوجود شبكات منظمة تعمل تحت غطاء مكاتب عقارية ظاهرها قانوني وباطنها احتيال ممنهج.

وتنقل وكالات أنباء عن مسؤولين في دائرة التسجيل العقاري المرتبطة بوزارة العدل، قولهم أن فوضى سوق العقارات في العراق بدأت بالتشكل بشكل واضح بعد 2003، في ظل ضعف مؤسسات الدولة آنذاك، وتداخل الصلاحيات، وغياب قاعدة بيانات عقارية مركزية محصنة. ومع موجات العنف الطائفي والتهجير القسري، وجدت شبكات التزوير بيئة مثالية للاستيلاء على منازل وأراضٍ تعود لمواطنين غادروا مناطقهم قسراً، لتُباع لاحقاً أو تؤجَّر لأكثر من شخص في بعض الأحيان.

جرائم محمية!

وكالة أنباء "العربي الجديد"، تنقل عن مسؤول في دائرة التسجيل العقاري في بغداد، قوله أن "الكثيرين من الضحايا لا يكتشفون ضياع عقاراتهم إلا بعد سنوات، وعند عودتهم يصطدمون بعقود بيع مصدقة أو وكلاء مزورين، ما يدخلهم في دوامة قضائية طويلة ومعقدة".

ويبيّن المسؤول الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، أن "ضعف إجراءات الردع شجع على توسع هذه الظاهرة وتحولها إلى تجارة مربحة محمية بعلاقات نافذة"!

ونفذت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية حملات متقطعة لمراقبة مكاتب العقارات غير المرخصة وإغلاقها، خصوصاً في بغداد وبعض المحافظات الساخنة. وأدت تلك الحملات إلى غلق عدد من المكاتب وإحالة أصحابها إلى القضاء - حسب المسؤول، الذي يشير إلى أن "هذه الجهود لم تكن كافية أو مستدامة. إذ سرعان ما عاد الكثير من تلك المكاتب إلى العمل بأسماء جديدة أو مواقع مختلفة".

ويرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب فشل المعالجة الجذرية يتمثل في تمتع بعض أصحاب المكاتب بعلاقات مع جهات متنفذة أو شخصيات مؤثرة داخل مؤسسات الدولة، ما يوفر لهم مظلة حماية غير معلنة، ويحول دون تنفيذ الأحكام القضائية أو استمرار الرقابة الفعلية عليهم.

حملة أمنية جديدة

وفي تطور لافت، أعلنت شرطة البصرة الأسبوع الماضي، تنفيذ حملة أمنية لمتابعة مكاتب العقارات غير المجازة في قضاء شط العرب، ومحاسبتها - وفق بيان رسمي للشرطة، مبيناً أن "الحملة جاءت ضمن الإجراءات الرامية للحد من حالات الاحتيال والتزوير في معاملات بيع العقارات وشرائها، إضافة إلى التصدي لعمليات تجريف الأراضي الزراعية وبيعها بطرق غير أصولية".

وأوضح البيان أن "الحملة أدت إلى إلقاء القبض على عدد من المخالفين لعدم حصولهم على الموافقات الأصولية لمزاولة المهنة، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق السياقات المعتمدة، حفاظاً على حقوق المواطنين وتعزيزاً للأمن والاستقرار".

متضرر: ثلاث سنوات انتظر الحسم القضائي

أحد المتضررين في بغداد، يقول في حديث صحفي أن منزله "بيع بعقد مزور خلال فترة تهجيره".

ويضيف قائلا أنه أمضى أكثر من ثلاث سنوات في المحاكم دون حسم نهائي، فيما يسكن المنزل اليوم شخص آخر! مشيرا إلى ان "غياب الحسم القضائي السريع يجعل الضحية خاسراً مهما طال الزمن".

وينوّه إلى ان "المطالبة بالحق المغتصب لا تخلو من المخاطر. إذ لا نعرف من هي الجهات التي يرتبط بها الوسيط والمشتري"!

ويرى ناشطون حقوقيون أن المشكلة لا تكمن في المكاتب غير المجازة فقط، بل في ضعف منظومة التحقق والتصديق، وتداخل عمل الدوائر العقارية مع جهات أخرى، فضلاً عن الإداري الذي يسهل تمرير معاملات مشبوهة. 

الملاحقة الأمنية غير كافية

يذكر مراقبون واختصاصيون أن الحملات الأمنية، رغم أهميتها، تظل غير كافية ما لم تستكمل بإجراءات قانونية صارمة، تشمل محاسبة المتورطين داخل مؤسسات الدولة، وتحديث السجلات العقارية، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، إضافة إلى تشديد شروط منح إجازات مزاولة مهنة الوساطة العقارية.

وفي هذا الصدد، يدعو الناشط المدني سامر الشمري، إلى "تدخل حكومي واسع وشامل، لا يقتصر على المعالجات الأمنية الوقتية، بل يتضمن رؤية استراتيجية لحماية عقارات المواطنين، وضمان حق الملكية، وإعادة الثقة في سوق العقار، الذي يعد أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد في البلاد".

وتتواصل الشكاوى ويتصاعد الغضب الشعبي من ضعف الإجراءات الحكومية لحماية ممتلكات المواطنين. في حين تبقى معالجة هذا الملف رهناً لخطوات الحكومة، التي يجب عليها تحمّل المسؤولية في ظل هذه الفوضى غير القانونية.

وسبق أن أطلقت الحكومات المتعاقبة وعوداً وإجراءات لحفظ الأملاك، ومنها أملاك المسيحيين، إلا أن تلك الوعود لم تكن مجدية، أمام سجل من اعتداءات وسلب لكثير من أملاكهم في محافظات مختلفة، عن طريق التلاعب بالأوليات والأوراق الثبوتية في الدوائر المعنية بالعقارات.