في وقت تتزايد فيه أعداد المستشفيات والمراكز الصحية، يتحول جزء من النفايات الطبية ومياه الصرف غير المعالجة إلى مصدر تلوث مباشر للأنهار والتربة، وسط ضعف واضح في منظومات المعالجة والرقابة البيئية. وبين تحذيرات المختصين وتكرار المخالفات، تتسع فجوة الخطر الصحي والبيئي، لتضع سلامة المواطنين أمام تهديد صامت لا يقل خطورة عن الأوبئة نفسها.
المؤسسات الحكومية في صدارة الملوثين
في تصريح سابق للمتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال ذكر ان "الغريب في موضوع التلوث في العراق، أن من يقوم به هو غالبية المؤسسات الحكومية". ويبين أن من بينها "دوائر المجاري التي تقوم بإلقاء كميات كبيرة (من مياه المجاري) في نهري دجلة والفرات من دون أن تمر بمعالجة تامة أو بعد معالجة بسيطة".
واكد أن "أغلب المستشفيات القريبة من النهر تقوم بإلقاء فضلاتها وتصريف مياه الصرف الصحي مباشرة فيه، وهذا أمر خطير وكارثي".
وبين شمال أنه لمواجهة هذا التلوث، أصدرت "الحكومة توجيهات بعدم إقرار أي مشروع في حال عدم ارتباطه بمحطة معالجة للمياه".
غياب أنظمة الفرز والمعالجة الحديثة،
من جهته، حذر الدكتور الاستشاري محمد الجبوري، خبير في مجال البيئة والمناخ، من خطورة التلوث الناتج عن النفايات الطبية في المؤسسات الصحية، مؤكداً أنها تمثل أحد أبرز التحديات البيئية والصحية التي يواجهها العراق في الوقت الراهن، في ظل تزايد أعداد المستشفيات وضعف إمكانيات الإدارة البيئية.
وقال الجبوري لـ"طريق الشعب"، أن النفايات الطبية تشمل الأدوات الحادة والمواد الملوثة بالدم وسوائل الجسم، إضافة إلى المواد الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية المنتهية الصلاحية، مبيناً أن سوء التعامل معها يشكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان من خلال نقل أمراض معدية خطيرة مثل التهاب الكبد الفيروسي والإيدز، فضلاً عن تسببها بتلوث الهواء والمياه والتربة.
وأشار إلى أن حرق هذه النفايات بطرق غير صحيحة أو دفنها دون معالجة يؤدي إلى انبعاث مواد سامة ومسرطنة مثل الديوكسينات والفورانات، إضافة إلى تسرب المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية إلى المياه الجوفية والأراضي الزراعية، ما ينعكس سلباً على النظام البيئي وسلامة الغذاء.
وبين أن إدارة النفايات الطبية في العراق تعاني ضعفاً في البنية التحتية وغياب أنظمة الفرز والمعالجة الحديثة، حيث تُخلط النفايات الطبية مع النفايات الأخرى في العديد من المؤسسات الصحية، كما تُنقل أحياناً من دون إجراءات أمان كافية، فيما تعمل المحارق غالباً بقدرات بدائية لا تحقق الشروط البيئية المطلوبة.
وأضاف أن النفايات الطبية تسهم في انتشار الأمراض المعدية بين العاملين في القطاع الصحي وعمال النظافة وسكان المناطق القريبة من مواقع الحرق، كما تؤدي إلى تلوث بيئي واسع يؤثر في الهواء والتربة والمياه، وينعكس على صحة الإنسان والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.
وأشار إلى أن ضعف الرقابة الحكومية، وقلة الوعي والتدريب لدى العاملين، ونقص الموارد المالية، إضافة إلى الظروف الأمنية والسياسية خلال السنوات الماضية، كلها عوامل أسهمت في تفاقم المشكلة، رغم وجود تشريعات تنظم إدارة النفايات الطبية.
وختم بالقول إن وزارة الصحة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بدأت بتنفيذ مشاريع لتحسين إدارة النفايات الطبية وتجهيز بعض المستشفيات بأجهزة تعقيم حديثة، مؤكداً أن هذه الجهود بحاجة إلى توسيع وتفعيل لضمان الحد من المخاطر الصحية والبيئية.
فيما حذر رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، من خطورة استمرار رمي المخلفات الصناعية والصحية ومياه الصرف غير المعالجة في الأنهار العراقية، مشيراً إلى أن نسب التلوث في بعض المجاري المائية تجاوزت المستويات البيئية الآمنة بنسبة تصل الي 70 و80 في المائة.
وقال الغراوي لـ"طريق الشعب"، إن ذلك يعود إلى تصريف المياه الثقيلة القادمة من المصانع والمستشفيات والمرافق الخدمية، بالإضافة إلى المخلفات البلدية التي تُلقى مباشرة في الأنهار دون معالجة أولية.
وأكد الغراوي أن أكثر من 60 في المائة من هذه الملوثات مصدرها أنشطة صناعية وصحية غير خاضعة للمعالجة الفعلية، وفق التقارير البيئية الوطنية.
وشدد الغراوي على أن معالجة هذه الأزمة تتطلب مقاربة وطنية شاملة تشمل إصلاح منظومة الرقابة البيئية، وتفعيل القوانين النافذة، وربط منح الرخص الصناعية والطبية بوجود منظومات معالجة فعّالة، إلى جانب تعزيز الشفافية في نشر البيانات البيئية أمام الرأي العام.
مشكلات بيئية معقدة
وقال مسؤول شعبة البيئة في الرمادي، علي هاشم، إن عملية التخلص من النفايات الطبية تُعد من أكثر المشكلات البيئية تعقيداً، نظراً لاحتوائها على مواد خطرة ومعدية، ما يتطلب معالجتها بطرق صحية خاصة، مؤكداً أنها تشكل خطراً كبيراً على البيئة والصحة العامة.
وأوضح هاشم لـ"طريق الشعب"، أن النفايات الطبية تمثل بحد ذاتها مشكلة بيئية كبيرة، وتكمن صعوبة التعامل معها في نقص الإمكانات والتقنيات الحديثة، إضافة إلى ضعف السيولة المالية لدى الدوائر المعنية، ولا سيما الدوائر الصحية، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على نصب وحدات لمعالجة التصاريف السائلة أو توفير أنظمة متكاملة لمعالجة النفايات الطبية الصلبة.
وأشار إلى عدم وجود آليات واضحة وفعالة للتعامل مع هذا النوع من النفايات، مبيناً أنها تنقسم إلى شقين رئيسيين، هما المخلفات الطبية الصلبة والتصاريف السائلة. وفيما يخص المخلفات الصلبة، أوضح أن هناك مواقع طمر أهلية في مدينة الرمادي، من بينها موقع في منطقة الخمسة كيلو، يتم التعاقد معها من قبل المجمعات الطبية الأهلية وبعض المستشفيات الحكومية لمعالجة النفايات الطبية الخطرة.
وأضاف أن التوسع الكبير في أعداد المجمعات والمراكز الطبية أدى في كثير من الأحيان إلى خلط النفايات الطبية الخطرة مع النفايات الاعتيادية، ما يتسبب بوقوع مشكلات بيئية خطيرة.
وفي ما يتعلق بالتصاريف السائلة، بيّن هاشم أن عدداً من المراكز الطبية الأهلية والحكومية، فضلاً عن بعض المستشفيات، لا تمتلك وحدات أو محطات معالجة خاصة، أو تعاني من تلكؤ في عملها، الأمر الذي يؤدي إلى تصريف المياه الملوثة مباشرة إلى الأنهار.
وأكد أن هذه المخالفات تخضع لإجراءات عقابية وفق القوانين البيئية المعمول بها، مشدداً على ضرورة تعزيز الرقابة وتوفير الدعم المالي والتقني للقطاع الصحي من أجل الحد من مخاطر النفايات الطبية وحماية البيئة والصحة العامة.