يتصاعد الحراك الاحتجاجي في عدة محافظات، تعبيرًا عن رفض قرارات خدمية واقتصادية أثارت استياء المواطنين، وسط مطالبات مباشرة للحكومات المحلية والجهات الاتحادية بإعادة النظر في هذه الإجراءات والاستجابة لمطالب وُصفت بالمشروعة.
تصعيد حملة الشهادات العليا
وتشهد الجامعات العراقية تصعيدًا احتجاجيًا واسعًا، على خلفية قرار مجلس الوزراء القاضي بإلغاء مخصصات الخدمة الجامعية، في خطوة أثارت موجة غضب غير مسبوقة بين الموظفين والأساتذة والمنتسبين في عدد من المحافظات.
فقد أعلن موظفو جامعات عراقية في بغداد وميسان والبصرة وواسط وبابل، تنفيذ إضراب عام عن الدوام ابتداءً من اليوم الأحد، مع تنظيم اعتصامات داخل الحرم الجامعي، احتجاجًا على القرار الذي وصفوه بـ“المجحف والمخالف للقانون”، مؤكدين أن هذه المخصصات تمثل حقًا مكتسبًا لا يجوز المساس به بقرار إداري.
وشهدت الجامعتان المستنصرية والعراقية في بغداد، إلى جانب جامعات أخرى، تظاهرات متزامنة رُفعت خلالها لافتات تندد بإلغاء المخصصات، وسط تحذيرات من توسع رقعة الاحتجاجات في حال تجاهل مطالب المحتجين. وفي تصعيد لافت، أقدم منتسبو عدد من الجامعات على إغلاق البوابات الرئيسية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية، وخلق حالة من القلق بين الطلبة وأولياء أمورهم.
وفي أول انعكاس مباشر للأزمة، أعلنت جامعة البصرة تأجيل الامتحانات المقررة، نتيجة الإضراب الشامل. كما لوّح موظفو الجامعة بخطوات تصعيدية إضافية، في ظل شكاوى من تأخر الرواتب واستقطاعات كبيرة وصلت، بحسبهم، إلى 75% من إجمالي الراتب.
وتعود جذور الأزمة إلى تعميم صادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 2026، والمتعلق بتعظيم الإيرادات وضغط النفقات، والذي تضمن إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية لجميع الموظفين، باستثناء المتفرغين للتدريس.
وفي السياق ذاته، أعلنت تنسيقية معلمي ميسان رفضها لقرارات إلغاء المخصصات، ووصفتها بـ“التعسفية”، فيما دخل منتسبو المعهد التقني في العمارة إضرابًا شاملًا، مطالبين بإطلاق رواتبهم كاملة دون استقطاع.
ويرى المحتجون أن تحميل الموظفين تبعات الأزمة المالية يمثل استهدافًا مباشرًا لشريحة أكاديمية وإدارية واسعة، مطالبين الحكومة بفتح باب الحوار والتراجع عن القرار، حفاظًا على الاستقرار الوظيفي والواقع المعيشي داخل المؤسسات التعليمية.
رفض الاستيلاء على المساحات الخضراء
وفي محافظة البصرة، أعلن أهالي حي الجهاد في منطقة الأمن الداخلي رفضهم القاطع لتحويل المساحة الخضراء الوحيدة في منطقتهم إلى مجمعات سكنية استثمارية.
وقال الأهالي، إن هذه المساحة تمثل المتنفس الوحيد لسكان المنطقة، وقد سبق أن وعدتهم الحكومة المحلية بتحويلها إلى حديقة خضراء تخدم جميع مناطق الأمن الداخلي.
وأعربوا عن صدمتهم بعد صدور كتاب رسمي يقضي بتحويل الأرض إلى استثمار لإنشاء مجمعات سكنية عمودية، معتبرين ذلك تنصلًا واضحًا من الوعود السابقة.
وطالب أهالي الحي الحكومة المحلية بشقيها التنفيذي والتشريعي، إضافة إلى نواب محافظة البصرة، بالتدخل العاجل وإعادة النظر بالقرار، ومنع إقامة أي بناء على هذه المساحة التي مُنعوا سابقًا من التجاوز عليها بحجة الحفاظ عليها كمساحة خضراء عامة. كما شددوا على ضرورة إنشاء جسر أو مجسر للمشاة على الطريق العام المحاذي للمنطقة والمؤدي إلى قضاء الزبير، مؤكدين أن الطريق يشكل خطرًا دائمًا على الأطفال وكبار السن، وشهد العديد من الحوادث المرورية التي أودت بحياة عدد من أبناء المنطقة.
وكلاء الحصة التموينية
وفي بغداد، تظاهر العشرات من وكلاء المواد الغذائية أمام مبنى وزارة التجارة، احتجاجًا على قرار رفع أسعار مفردات البطاقة التموينية والطحين، مع الإبقاء على هامش ربح وصفوه بالضئيل.
وقال المحتجون إن هامش الربح المحدد بـ50 دينارًا عن الفرد الواحد لا يغطي أبسط متطلبات العمل اليومية، ولا يتناسب مع ارتفاع تكاليف النقل والمصاريف التشغيلية. وحذروا من أن استمرار العمل بهذه الآلية سيدفع العديد من الوكلاء إلى ترك العمل، ما سينعكس سلبًا على آلية توزيع المواد الغذائية للمواطنين.
ورفع المتظاهرون لافتات تطالب بإنصاف الوكلاء وتحقيق العدالة، ملوحين بتصعيد احتجاجاتهم في حال عدم استجابة وزارة التجارة لمطالبهم.
وفي المقابل، أكدت وزارة التجارة أن كلفة المواد الغذائية لكل فرد من أفراد البطاقة التموينية لا تزيد على ألف دينار، داعية المواطنين إلى عدم دفع أي مبالغ إضافية.
وأوضحت الوزارة أن هذا المبلغ يشمل السلة الغذائية والطحين وأجور النقل، مشددة على منع مطالبة المواطنين بأي أجور أخرى.
واكدت عدم وجود أي إنقاص في كمية الطحين المقررة والتي تبلغ 9 كيلوغرامات للفرد.
اغلاق للطرق في كركوك
وفي محافظة كركوك، اغلق أهالي حي شوراو الطريق الحيوي المؤدي إلى أربيل، خلال تظاهرة ليلية، احتجاجًا على استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. وقال المشاركون إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثقل كاهل العوائل، خصوصًا كبار السن والأطفال، وأجبرهم على الاعتماد على المولدات الأهلية وشراء الوقود بأسعار مرتفعة. وأكد المحتجون أن تحركهم جاء بعد تقديم شكاوى متعددة دون الحصول على حلول حقيقية، مطالبين بجدول تجهيز واضح وعادل، ومعالجة الأعطال الفنية بشكل دائم. وأكد المتظاهرون أن احتجاجاتهم سلمية وتهدف إلى تحسين الواقع الخدمي فقط، محذرين من استمرار تحركاتهم في حال غياب الاستجابة الرسمية.
وتعكس هذه التحركات مجتمعة حالة احتقان شعبي متزايدة، في ظل أزمات خدمية واقتصادية متراكمة، ومطالبات متصاعدة بمعالجات جادة بعيدًا عن الوعود المؤقتة.