تواجه كثير من الأسر العراقية صعوبات يومية في تأمين الاحتياجات الأساسية، وسط ارتفاع مستمر في الأسعار وتكاليف التعليم والصحة والغذاء، ما يجعل خط الفقر الرسمي بعيداً عن الواقع الفعلي للمعيشة. الفقر اليوم لا يقف عند حدود الدخل المالي، بل يمتد ليشمل تأثيراته الاجتماعية والنفسية على الأطفال والعائلات، ويزيد من التفاوت الاجتماعي ويهدد استقرار المجتمع.
التخطيط تشرح خط الفقر
يقول المتحدث باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، ان قيمة "خط الفقر للفرد الواحد يقدر بـ 137 ألف دينار عراقي للشهر الواحد"، معتبرا ان الفرد الواحد إذا تجاوز هذا العدد فلا يعد ضمن الفئة الفقيرة!
وبالحديث عن الطريقة التي تقيس بها الوزارة خط الدخل المتوسط وخط الفقر بالنسبة للأسرة، يبين الهنداوي في حديث خص به "طريق الشعب"، ان " معيار قياس الفقر يقاس على متطلبات الحياة التي تتضمن الغذاء والصحة والتعليم والأشياء الأساسية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية".
ويضيف، انه "إذا كان عدد أفراد الأسرة 5، فيكون حاصل ضرب 137 ألفاً في خمسة هو 700 ألف دينار، والذي يعد خط الفقر للأسرة وليس الفرد، وإذا كان دخل اﻷسرة أقل من 700 ألف شهريا فهي أسرة فقيرة، اما اذا كان اعلى من هذا الرقم، فالأسرة لا تعد فقيرة".
ولفت الى وجود استراتيجية لمكافحة الفقر وهي "استراتيجية نفذت خلال السنوات الثلاث الماضية وكانت آثارها واضحة بحيث انخفضت نسبة الفقر من 23 الى 17.5 في المائة"، مضيفاً انها "تضمنت شبكة الحماية الاجتماعية والبطاقة التموينية ودعم الفقراء في مجالات التعليم والصحة".
وفي هذا الصدد، يشير الأكاديمي والخبير الاقتصادي نبيل المرسومي الى ان هناك اكثر من 8 ملايين عراقي تحت خط الفقر، وهو رقم كبير جدا في بلد يمتلك قاعدة واسعة من المواد الهيدركربونية، ويمثل خامس اكبر دولة منتجة للنفط في العالم، منبها الى ان الانخفاض "لم يكن مرتبطا بسياسات اقتصادية مستدامة افضت الى تنويع الاقتصاد وتوفير فرص عمل للمواطنين، وانما كان ممولا بايرادات النفط غير المستدامة، وهو ما يجعل الانخفاض هشا ومرتبطا بايرادات النفط غير المستقرة. كما ان هذا التحسن في معدل الفقر مرتبط أيضا بزيادة عدد الافراد الذين تعيلهم الدولة، ما يشكل عبئا مستداما على الموازنات العراقية في السنوات القادمة وخاصة مع تراجع أسعار النفط العالمية".
رقم بعيد عن الواقع
من جهته، علّق الباحث في الشأن الاقتصادي، عبدالله نجم، على تحديد وزارة التخطيط لخط الفقر عند 137 ألف دينار للفرد شهرياً بأنه "رقم بعيد تماماً عن الواقع المعيشي، خاصة في ظل التضخم المتصاعد وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات الأساسية، وتأثير ارتفاع سعر الدولار على الاستيراد المحلي للسلع الضرورية".
وأضاف نجم لـ"طريق الشعب" أن "الخط الرسمي للفقر لا يعكس الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر، خصوصاً في قطاعي التعليم والصحة، اللذين أصبحا يشكلان عبئاً كبيراً على الأسرة العراقية. فالمستوى التعليمي في المدارس الحكومية ما يزال ضعيفاً، والأهالي مجبرون على دفع مبالغ إضافية لتعليم أبنائهم، سواء عبر المدارس الخاصة أو الدروس الخصوصية، لضمان حصولهم على تعليم مناسب. وهذا يعني أن دخل الأسرة يجب أن يغطي احتياجات تعليمية إضافية، تكون ضرورة لتأمين مستقبل الأطفال".
وتابع أن "الوضع الصحي لا يقل تعقيداً، فالمستشفيات الحكومية لا توفر جميع الأدوية والمستلزمات الطبية، والكثير من الخدمات مثل الفحوصات الأساسية، الأجهزة الطبية، أو العلاجات المتخصصة تتطلب إنفاق مبالغ كبيرة من قبل الأسر. في بعض الحالات، قد تصل تكلفة زيارة الفرد للطبيب أو الحصول على علاج محدد إلى 200 ألف دينار وما فوق، وهذا قبل حساب أي تدخلات مستمرة أو حالات طارئة، ما يزيد من العبء المالي على الأسرة".
وأشار نجم إلى أن "هذه المعطيات توضح أن الكثير من الأسر التي يتجاوز دخلها الحد الرسمي للفقر، ما تزال تعيش حياة صعبة، إذ أن خط الفقر الرسمي لم يعد يعكس القدرة الفعلية على تأمين حياة كريمة. لذا، فإن مراجعة معايير خط الفقر لتكون أكثر واقعية ضرورة ملحة، مع توسيع برامج شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل التعليم والصحة بشكل أوسع وأكثر فاعلية، لضمان وصول الدعم الحكومي إلى الأسر الأكثر احتياجاً، وتخفيف الضغط الاقتصادي اليومي".
واختتم نجم بالقول انه "في ظل غياب هذه المراجعة، سيبقى خط الفقر مجرد رقم على الورق، ولن يقدم الحماية الحقيقية للأسر، بل قد يخلق وهمياً أن بعض الأسر تجاوزت الفقر بينما هي لا تزال تكافح لتغطية احتياجاتها الأساسية".
صعوبة في تغطية الاحتياجات لأساسية
من جهتها، تؤكد الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي، أن واقع الفقر في العراق يتجاوز الأرقام الرسمية بكثير، إذ يواجه كثير من الأسر صعوبات حقيقية في تغطية احتياجاتها الأساسية. الفقر اليوم لا يقف عند حدود الدخل المالي فقط، بل يشمل صعوبة الوصول إلى تعليم جيد وخدمات صحية كافية، ونقص الغذاء، وارتفاع تكاليف المعيشة اليومية.
وتقول الزاملي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الأسر مجبرة على البحث عن مصادر إضافية للتعليم والعلاج، سواء عبر المدارس الخاصة أو الدروس الخصوصية أو الخدمات الصحية الخاصة، ما يضاعف الضغط المالي، ويجعل العيش الكريم هدفاً بعيد المنال".
وترى الباحثة أن الفقر يترك أثره النفسي والاجتماعي العميق على الأطفال والعائلات، فهو يقيد فرص المشاركة الاجتماعية والثقافية، ويزيد من التفاوت الاجتماعي، ما يهدد استقرار المجتمع على المدى الطويل.
وتضيف أن "التعامل مع الفقر في العراق يحتاج إلى سياسات شاملة تتجاوز مجرد الدعم المالي، لتشمل التعليم والصحة وفرص العمل، مع التركيز على الأسر الأكثر هشاشة لضمان الحد الأدنى من الكرامة المعيشية".