اخر الاخبار

تتواصل معاناة شرائح واسعة من الكادحين في قطاع الخدمات، ولا سيما كوادر التنظيف العاملة بعقود مع شركات أهلية متعاقدة مع مؤسسات الدولة، وسط شكاوى متزايدة من انتهاك عقود العمل، وتأخير الرواتب، والحرمان من الضمان الاجتماعي، وضعف الرقابة الرسمية وغياب المساءلة. هذه الانتهاكات، التي تتكرر في أكثر من موقع، تكشف خللاً بنيوياً في إدارة هذا الملف، وتضع علامات استفهام حول دور الجهات المعنية في حماية الحقوق الأساسية.

عقد لا يحترم وراتب لا يسلم

أحد العاملين في مجال التنظيف بمنطقة الزعفرانية، نقل لـ "طريق الشعب" تجربته مع شركة أهلية متعاقدة، فأشار إلى أن عقد العمل ينص على راتب شهري قدره 350 ألف دينار، إلا أن ما يتقاضاه فعليا لا يتجاوز 300 ألف دينار، لأن الشركة تحسب الأجر على أساس الوردية الواحدة التي يعادل راتبها مبلغ 150 ألف دينار، وهو ما يخالف بنود العقد المبرم.

ولا تتوقف المشكلة عند تخفيض الراتب، فالشركة تتأخر مرارا في صرف المستحقات، لتصل فترات التأخير أحيانا إلى شهرين أو ثلاثة، ما يضع العاملين في ضائقة معيشية كبيرة، ويجبر بعضهم على قبول أو طلب المساعدة من المواطنين مقابل أي خدمة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية الناتجة عن هذا الاستغلال.

استقطاع باسم الضمان الوهمي

ومن أخطر المخالفات التي رصدتها "طريق الشعب"، قيام بعض الشركات باستقطاع مبالغ مالية من رواتب كوادرها بذريعة شمولهم بالضمان الاجتماعي. غير أن مراجعات لاحقة لدوائر الضمان أظهرت أن أسماءهم غير مسجلة أصلا، ما يعني أن تلك الاستقطاعات تجرى دون أي غطاء قانوني.

العامل فاضل عباس فاضل، يؤكد أنه تقدم بشكوى إلى وزارة العمل، إلا أن الرد كان أن الراتب المحدد هو 300 ألف دينار، بينما يبرر صاحب الشركة التخفيض باستقطاع الضمان الاجتماعي دون أن يتم تسجيله فعليا. ويضيف "الراتب لا يُصرف إلا كل شهرين أو ثلاثة، وليست هناك جهة تحاسب إذا ما اشتكينا".

العمالة الأجنبية تضغط على فرص العمل

ويشير العامل فاضل إلى أن "شح فرص العمل، إلى جانب انتشار العمالة الأجنبية غير القانونية، منح بعض أصحاب الشركات أداة ضغط إضافية، إذ يتم الاستغناء عن العراقي بسهولة واستبداله بعامل أجنبي مقابل أجر لا يتجاوز 100 دولار شهريا، مستغلين غياب المتابعة الجادة من الجهات المختصة، ما يفاقم من هشاشة الاستقرار الوظيفي"..

والشركات تبرر: نحن قطاع خاص

في المقابل، تؤكد احدى شركات التنظيف في تصريح اطلعت عليه "طريق الشعب" على أن رواتب عمال النظافة تخضع للاتفاق بينها وبين العامل، ولا تتحمل المؤسسات الحكومية أو المستشفيات المتعاقدة أي مسؤولية مباشرة عن قيمة الأجور.  وتشير الشركة أن أجور الدورية الواحدة التي تمنحها لعمال النظافة تتراوح بين 150 و250 ألف دينار شهريا.

قانون العمل: بين النص والتطبيق

من جهتها، توضح المحامية سماح الطائي لـ "طريق الشعب" أن غالبية دعاوى العمل المعروضة أمام محكمة العمل تتعلق بمخالفات عقود العمل في القطاع الخاص. وتبين أن العديد من الشركات تفرض شروطا مجحفة، وبسبب الحاجة وقلة الوعي القانوني، يُّجبر العامل على التوقيع دون إدراك كامل لحقوقه.

وتؤكد الطائي على أن ضعف المتابعة من قبل وزارة العمل أسهم في تفشي هذه المخالفات، إذ أن العديد من العقود تخالف قرار الحد الأدنى للأجور، فضلا عن تجاوزات تتعلق بساعات العمل، حيث تفرض ساعات عمل تصل إلى 13 ساعة يوميا مقابل أجور متدنية، في خرق صريح لقانون العمل النافذ.

مطلب بحل جذري

ويطالب مختصون وناشطون بقرار حكومي واضح يثبت الرواتب بحد لا يقل عن 450 ألف دينار، على أن يتم صرف الأجور عبر حسابات المؤسسات الحكومية، واستقطاعها مباشرة من عقود الشركات، بما يضمن وصول المستحقات كاملة، ويضع حدا للتلاعب والاستغلال.

وتبقى هذه القضية، كما يؤكد متابعون، اختبارا حقيقيا لمدى التزام الحكومة بحماية حقوق الكادحين، وتحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس، بدل بقائها حبرا على ورق.