لم يعد التسرب المدرسي في العراق مجرد أرقام تسجل في تقارير رسمية، بل تحول إلى مشهد يومي يكشف عن أزمة تعليمية متشابكة تتقاطع فيها آثار الصراع الطويل، والفقر، والتغيرات المناخية، مع أعراف اجتماعية ما تزال تحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم. وبينما تتحدث الجهات التربوية عن تحسن نسبي في مؤشرات العودة إلى المدارس، تفضح الوقائع الميدانية اتساع الفجوة بين السياسات المعلنة وما يعيشه الأطفال، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، حيث يُرى كثير منهم في الشوارع والأسواق صباحاً بدلاً من الجلوس في الصفوف الدراسية.
في الوقت الذي تتحدث فيه مديرية تربية ذي قار عن تحسن نسبي في مؤشرات العودة إلى التعليم، يشير مركز حقوق الإنسان في المحافظة إلى استمرار ظاهرة التسرب، إذ سجل العام الدراسي 2024–2025 نحو 4093 حالة تسرب في المرحلة الابتدائية، توزعت بين 1913 من الذكور و2180 من الإناث، فيما بلغ عدد المتسربين في المرحلة الثانوية 4600 طالب وطالبة، بواقع 2900 من الذكور و1700 من الإناث، ما يعكس اتساع الفجوة بين الجهود المعلنة وحجم التحديات القائمة على أرض الواقع.
لجان حكومية لمتابعة حالات التسرب
يقول كمال خيرالله، مشاور قانوني أقدم في مديرية تربية ذي قار، إن مديرية التربية أولت هذا الموضوع اهتماما كبيرا خلال العام الدراسي الحالي، مشيرا إلى أن الجهات المختصة قامت بإعداد تقرير خاص لمعالجة الظاهرة ومتابعتها ميدانياً.
واضاف خيرالله في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن مديرية التربية شكلت لجانا متخصصة من قسم الإشراف التربوي والاختصاص، كان هدفها متابعة حالات التسرب وإعادة التلاميذ المتغيبين إلى مقاعد الدراسة.
وبيّن أن هذه اللجان أنجزت مهامها على أكمل وجه، وحققت نتائج إيجابية ملموسة.
وتابع، أن نسبة التسرب خلال هذا العام تُعد منخفضة جدا مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يعكس نجاح الخطط والإجراءات المتبعة من قبل المديرية. كما أشار إلى أن العمل جرى بسلاسة دون تسجيل صعوبات تُذكر، باستثناء بعض المناطق النائية التي واجهت اللجان فيها تحديات تتعلق بصعوبة الوصول أو التواصل مع أولياء الأمور وسكان تلك المناطق.
وأكد، أن باقي المناطق، سواء في مركز المدينة أو الأقضية والنواحي، شهدت استقرارا واضحا في الدوام المدرسي، مع انخفاض كبير في نسب التسرّب، ولا سيما خلال هذا العام، معربًا عن أمله في استمرار هذه النتائج الإيجابية خلال السنوات المقبلة.
"العودة إلى التعليم"
وفي وقت سابق أعلنت وزارة التربية تحقيق نتائج متقدمة ضمن الحملة الوطنية للعودة إلى التعليم في عامها الثاني، مؤكدة أن الفرق الميدانية تمكنت من إعادة ما يقارب 93 ألف طالب متسرب إلى مقاعد الدراسة في عموم العراق، في مؤشر على اتساع نطاق الاستجابة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا التعليمية تعقيداً.
وذكرت الوزارة في بيان صحفي أن مشروع "العودة إلى التعليم" أسهم، خلال المرحلة الثانية من الحملة التي انطلقت منذ العام الماضي، في إعادة 92 ألفاً و843 متسرباً إلى الدراسة، بعد جهود مكثفة نفذتها فرق ميدانية متخصصة عملت بشكل متواصل على الأرض.
وبين البيان أن 870 فريقاً ميدانياً استهدفوا في البداية 156 ألفاً و240 متسرباً لأسباب وظروف حياتية واقتصادية واجتماعية مختلفة، إلا أن العمل الميداني خلال ثلاثين يوماً أسفر عن الوصول إلى 238 ألفاً و462 حالة، وهو رقم فاق الأهداف المرسومة بنسب كبيرة.
ووفق النتائج المعلنة، توزعت عودة الطلبة بين 23 ألفاً و706 إلى التعليم النظامي، و27 ألفاً و386 إلى التعليم غير النظامي، و40 ألفاً و750 إلى مراكز التعليم الخارجي، في محاولة لملاءمة المسارات التعليمية مع أوضاع الطلبة المختلفة.
وأكدت الوزارة أن نتائجها خضعت إلى تحليل تفصيلي للوقوف على الضغوط والمعوقات التي دفعت الطلبة إلى ترك الدراسة، تمهيداً لوضع معالجات أكثر فاعلية للحد من توسع ظاهرة التسرب، وبما يضمن توفير فرص تعليم عادلة لجميع الفئات العمرية في العراق.
238 ألفاً و462 متسرباً خلال شهر!
وأوضح مستشار رئيس الوزراء لشؤون التربية والتعليم، عدنان السراج أن المبادرات الحكومية ركزت على التوعية بمخاطر التسرب، وإشراك الطلبة والملاكات التربوية في جهود إعادة المتسربين واحتوائهم ضمن المسار التعليمي، مشيراً إلى أن حملة "قلم ومستقبل" أُطلقت استناداً إلى توصيات لجنة الأمر الديواني الخاصة بمبادرة "العودة إلى التعليم".
وبين أن الحملات أسفرت عن إعادة 92 ألفاً و843 طالباً إلى الدراسة خلال العام الحالي، مع خطة لاستمرارها حتى عام 2028، لافتاً إلى تسجيل 238 ألفاً و462 طالباً متسرباً خلال شهر واحد فقط عبر فرق متدربة، جرى على إثرها إعداد قاعدة بيانات متكاملة لكل حالة.
وأكد أن العمل جار، استناداً إلى هذه البيانات، على صياغة استراتيجية متكاملة للحد من ظاهرة التسرب، واحتواء الطلبة ودعمهم لاستكمال مسيرتهم العلمية، بالتوازي مع إعداد خطط مشتركة بالتنسيق مع وزارة التربية ومنظمة اليونيسف، وبمشاركة مختصين وخبراء تربويين، لضمان استدامة المبادرات ونجاحها مستقبلاً.
الأعراف الاجتماعية!
يقول علي المالكي، ناشط مدني من محافظة البصرة، إن التسرب المدرسي في المحافظة لم يعد ظاهرة خفية، بل أصبح مشهداً يومياً يمكن رصده في الشوارع والأسواق، حيث لا يُشاهد الكثير من الأطفال صباحاً في مدارسهم بقدر ما وجودهم يعملون في بيع الماء في التقاطعات، أو مرافقة ذويهم في أعمال شاقة، ما يعكس مؤشرا خطيرا على اتساع عمالة الأطفال.
ويوضح الكعبي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع ارتبط مؤخراً بشكل مباشر بتداعيات التغير المناخي والجفاف، إذ أدى شح المياه وملوحة الأراضي إلى تراجع الزراعة ونفوق المواشي، ما فاقم الفقر داخل القرى والأرياف ودفع الأسر إلى الاعتماد على عمل الأطفال كمصدر دخل.
ويشير إلى أن الفتيات يبقين الأكثر تضرراً عبر تزويجهن المبكر وإخراجهن من التعليم، تحت ضغط الأعراف الاجتماعية والضيق الاقتصادي، فيما يُجبر الذكور على ترك الدراسة لمساندة أسرهم مادياً، في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فاعلة.
ويؤكد أن استمرار هذا المشهد دون تدخل جاد يعني خسارة جيل كامل، داعيا إلى إيجاد سياسات تعليمية واجتماعية وبيئية متكاملة تعيد الأطفال إلى المدارس، وتحميهم من الشارع، وتربط حق التعليم بالحق في بيئة آمنة وعيش كريم.
استغلال الطلاب!
يحذر الخبير الأمني عدنان الكناني من خطورة تفاقم هذه خارج إطار الأسرة والتعليم، معتبراً أن هذا الملف يقع بالدرجة الأولى ضمن اختصاص الشرطة المجتمعية، بوصفه مرتبطاً ببنية الأسرة والخروقات الاجتماعية التي تشهدها بعض البيئات العراقية.
وذكر الكناني لـ"طريق الشعب"، أن الشرطة المجتمعية تتحمل مسؤولية التعامل مع قضايا العنف الأسري والتفكك الأسري وما يترتب عليها من آثار، مؤكداً ضرورة تفعيل دورها في إيجاد حلول ومعالجات حقيقية لهذه الظواهر، لا سيما حين يخرج الأطفال عن سياق التعليم والاستقرار الأسري.
وأشار إلى أن وجود الأطفال في الشوارع، بعيداً عن المدرسة والرقابة الأسرية، يعرضهم لمخاطر متعددة، من بينها الاستغلال غير الأخلاقي، عمالة الأطفال غير الشرعية، الاتجار بالبشر، فضلاً عن احتمالات الانخراط في مسارات أكثر خطورة تمس الأمن المجتمعي.
وأكد الكناني أن ترك الأطفال خارج "الوسط التعليمي والوسط الأسري الآمن" لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، مشدداً على أن المسؤولية القانونية والأخلاقية لا تقع على الطفل، بل على الأسرة بوصفها الطرف المسؤول عن الرعاية والتربية والتوجيه.
ودعا إلى فرض إجراءات قانونية رادعة بحق الأسر التي تهمل أبناءها أو تتخلى عن مسؤولياتها، معتبراً أن غياب الانضباط الأسري ينعكس مباشرة على سلوك الأطفال ومستقبلهم، ويحوّلهم إلى فئة هشّة قابلة للاستغلال.
وختم بالقول إن فقدان الطفل للركائز الأساسية في التربية والتعليم يجعله عرضة للانحراف، وهو ما يستدعي محاسبة المسؤول الأول عن رعايته، سواء كان الأب أو الأم أو من يتولى شؤونه، مؤكداً أن حماية الأطفال تبدأ من تعزيز دور الأسرة، وتفعيل القانون، ودعم المؤسسات المختصة لمنع ضياع جيل كامل خارج المدرسة والبيت.
الجانب القانوني!
من جهته، أكد مصطفى البياتي، الباحث في الشأن القانوني، أن التشريعات العراقية أولت ملف التعليم أهمية بالغة، وعدت تعليم الطفل أساسيا وواجبا تلتزم به الأسرة والدولة معا، مشيرا إلى أن التشريعات النافذة وضعت أطرا قانونية واضحة للحد من تسرب الأطفال من مقاعد الدراسة.
وأوضح مصطفى لـ"طريق الشعب"، أن الدستور العراقي في المادة (34) نص صراحة على إلزامية التعليم الابتدائي، وعلى مسؤولية الدولة في توفيره ومكافحة الأمية، مبينًا أن هذا النص يُعد الأساس القانوني الذي تُبنى عليه باقي التشريعات التربوية.
وأضاف أن قانون التعليم الإلزامي رقم (118) لسنة 1976 ألزم أولياء الأمور بإلحاق أبنائهم بالمدارس، ومنح الجهات التربوية حق متابعة المتخلفين واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين في التسرّب دون مبرر قانوني.
وأشار إلى أن قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 ركز على حماية الطفل من الإهمال، واعتبر حرمانه من التعليم أو دفعه إلى العمل في سن الدراسة انتهاكًا لحقوقه الأساسية، فيما شدد قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 على معاقبة كل من يُهمل واجباته تجاه الطفل، بما في ذلك حرمانه من التعليم. كما لفت إلى أن قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 حظر تشغيل الأطفال في سن التعليم الإلزامي، لما لذلك من دور مباشر في الحد من ظاهرة التسرّب المدرسي.
وتابع أن الهدف من هذه القوانين ليس العقاب بحد ذاته، بل حماية حق الطفل في التعليم وضمان استمراره في الدراسة، داعيًا إلى تفعيل النصوص القانونية بالتوازي مع التوعية المجتمعية والدعم الاجتماعي للأسر، لضمان مستقبل تعليمي آمن للأطفال.
إجراءات غير مجدية!
وقال ليث عبدالله، ناشط في مجال التعليم، إن الإجراءات التي تتخذها وزارة التربية لمعالجة ملف التعليم ما زالت بعيدة عن إحداث تحسن حقيقي في واقع الطلبة، مؤكدًا أن معظم الخطط المعلنة تظل حبرًا على ورق ولا تنعكس بشكل ملموس داخل المدارس.
وأوضح عبدالله لـ"طريق الشعب"، أن الوزارة تركز في كثير من الأحيان على الجوانب الإدارية والتقارير الشكلية، بدلًا من معالجة جوهر المشكلة المتمثل في بيئة التعليم المتردية، ونقص الكوادر التربوية، والاكتظاظ داخل الصفوف، فضلًا عن ضعف البنى التحتية في العديد من المدارس، لا سيما في المناطق الفقيرة والنائية. وطرح الناشط سؤالا مفاده "كيف تتحدث الوزارة عن تقليل حالات التسرب، وهي لا توفز لهم الكتب الدراسية، او تحثهم على شرائها؟".
وأضاف أن الحديث عن مكافحة تسرب الطلبة لا يمكن أن يكون جديا ما لم تُرافقه إجراءات واقعية، مثل دعم الأسر الفقيرة، وتحسين نوعية التعليم، وتوفير المستلزمات الدراسية، وإيجاد مدارس صالحة وجاذبة للطلبة.
وأشار إلى أن غياب التخطيط طويل الأمد يجعل الجهود الحالية غير قادرة على تحقيق تغيير مستدام.