اخر الاخبار

لا تزال الأبنية المدرسية في محافظة النجف عاجزة عن مواكبة النمو السكاني، لتتحول المدارس إلى فضاءات مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط التربوية والإنسانية: صفوف كرفانية متهالكة، دوام ثنائي وثلاثي خانق، وأبنية قديمة مهددة بالانهيار، تشكل مشهداً يومياً يثقل كاهل الطلبة والمعلمين على حد سواء.

وبين وعود المشاريع الجديدة والحلول المؤقتة، تتفاقم أزمة التعليم بوصفها أحد أخطر الملفات المؤجلة، في وقت بات فيه الحق في بيئة تعليمية آمنة مطلباً ملحاً لا يحتمل مزيداً من التسويف.

صفوف كرفانية أو أبنية متهالكة

وتكشف هدى ياسر، وهي تدريسية من محافظة النجف، عن صورة قاتمة لواقع المدارس في المحافظة، ولا سيما في المناطق الشعبية، حيث ما تزال أزمة الأبنية المدرسية تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

تقول هدى لـ"طريق الشعب"، أن عدداً كبيراً من المدارس في النجف ما يزال يعتمد على الصفوف الكرفانية، إلى جانب مدارس أخرى ذات أبنية قديمة أو غير مكتملة، الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ غير مسبوق في أعداد الطلبة.

وتضيف أن بعض المدارس يتجاوز عدد طلابها الألف طالب، فيما يضم الصف الواحد ما بين أربعين إلى خمسين طالباً، وهو رقم يفوق الطاقة الاستيعابية الطبيعية لأي بيئة تعليمية سليمة.

وتلفت إلى أن التعاقد بين العراق والجانب الصيني على بناء المدارس أسهم في تقليص الاعتماد على المدارس الكرفانية، مع توقعات بألا تبقى أي مدرسة من هذا النوع بعد إنجاز الأبنية الجديدة ونقل الطلبة إليها. إلا أن هذا التحسن المرتقب، بحسب ياسر، لا يلغي حجم المعاناة الحالية التي تعيشها المدارس والكوادر التدريسية والطلبة على حد سواء.

وتضيف أن هناك نقصاً حاداً في الكوادر التعليمية والبنى التحتية، مشيرة إلى أن مدرستها الثانوية تشغل بناية مخصصة أساساً لمدرسة ابتدائية، ما تسبب بعجز كبير في عدد الصفوف.

وتؤكد أن إدارة المدرسة اضطرت هذا العام إلى قبول طالبات من خارج الرقعة الجغرافية للمدرسة، رغم محدودية الصفوف، نتيجة الضغط الكبير وأعداد الطالبات المتزايدة.

وتعود ياسر بالحديث إلى ما قبل عام 2003، موضحة أن التوسع السكاني في الأقضية والنواحي لم يقابله توسع مماثل في بناء المدارس، الأمر الذي دفع الجهات المعنية آنذاك إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة تمثلت بإنشاء صفوف كرفانية مصنوعة من مواد بسيطة، لا توفر الحد الأدنى من السلامة أو الاستيعاب.

وتحذر من المخاطر التي تنطوي عليها هذه الصفوف، خاصة في فصل الشتاء، حيث تتعرض للمطر وتسرب المياه، في ظل وجود أسلاك كهربائية مكشوفة.

وتستذكر هدى حادثة مؤلمة وقعت قبل سنوات، حين تعرض أحد الطلبة لصعقة كهربائية، نتيجة تماس الأسلاك مع المياه داخل أحد الكرفانات، ما أدى إلى وفاته.

وتختم التدريسية بالتأكيد على أن معالجة أزمة الأبنية المدرسية لم تعد تحتمل التأجيل، داعية إلى الإسراع في تنفيذ مشاريع المدارس الجديدة، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تحفظ أرواح الطلبة، وتضمن جودة التعليم، بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة أثبتت خطورتها وعدم جدواها.

ماذا حلّ بمشروع إيدوبا؟

وكان مجلس محافظة النجف قد حدد في وقت سابق من هذا العام موعد تسليم قطع الأراضي المخصصة لإنشاء الأبنية المدرسية ضمن مشروع "إيدوبا" بعد استكمال كافة الإجراءات الفنية والقانونية المتعلقة بتخصيصها وعائديتها.

وأعلنت رئيسة لجنة التربية في المجلس هبة جميل الكوفي، تسليم 35 موقعاً للشركة المنفذة، وذلك في إطار المرحلة الأولى من مشروع "إيدوبا"، الذي يتم تمويله من قبل صندوق التنمية التابع لرئاسة الوزراء، ويهدف إلى سد النقص الكبير في الأبنية المدرسية على مستوى البلاد. وأشارت الى الاستعداد لتجهيز 89 موقعاً آخر ضمن المرحلة الثانية من مشروع القرض الصيني، فيما كشفت عن وجود حاجة إلى بناء 300 مدرسة جديدة لتخفيف الضغط على النظام التعليمي في النجف، الذي يعاني من ظاهرة الدوام المزدوج، سواء في مركز المحافظة أم في الأقضية والنواحي. في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد الأبنية في النجف 755 مدرسة.

تفاقم الأزمة

من جانبها، تحذر نمارق جواد، ناشطة وباحثة اجتماعية من محافظة النجف، من تفاقم أزمة الأبنية المدرسية، واصفة إياها بأنها واحدة من أخطر الملفات المهملة التي تنعكس مباشرة على مستقبل الطلبة وجودة التعليم في المحافظة.

وتشير جواد في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أنّ العديد من مناطق النجف، ولا سيما الأقضية والنواحي والقرى، تعاني نقصا واضحا في الأبنية المدرسية، بالتوازي مع تهالك عدد كبير من المدارس القديمة التي لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة.

وتضيف أن المدارس الكرفانية لا تزال حاضرة في عدد من المناطق، في مشهد لا ينسجم مع أبسط المعايير التربوية أو البيئية، ولا يمكن التعامل معه بوصفه حلا حقيقيا أو مستداما لأزمة التعليم.

وتشير الى أن خطورة بعض الأبنية المدرسية دفعت الجهات المختصة، ومنها الدفاع المدني، إلى إخلاء مدارس مهددة بالانهيار، الأمر الذي أجبر الطلبة على الانتقال إلى مدارس بعيدة عن مناطق سكنهم. هذا الواقع، بحسب جواد، حمّل الطلبة أعباء يومية قاسية، إذ يضطر كثير منهم إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، في ظروف مناخية قاسية، بين أمطار الشتاء اللاسعة وحرارة الصيف المرتفعة، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف داخل مدارس مكتظة تعاني أصلًا من ضغط عددي خانق.

وفي ما يتعلق بمشاريع بناء المدارس الجديدة أو صيانة الأبنية القائمة، تؤكد أن هناك بعض المشاريع قيد التنفيذ أو التخطيط، إلا أنها تبقى محدودة ولا تتناسب مع حجم الحاجة الفعلية، ولا مع تطلعات المجتمع المحلي، خاصة في ظل الزيادة السكانية المستمرة واتساع الرقعة الجغرافية للمحافظة. وتلفت جواد إلى أن تداعيات هذا الواقع لا تقف عند حدود البنية التحتية، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والتربوية للطلبة. فغياب البيئة المدرسية الآمنة والمهيأة يؤثر بشكل مباشر على تركيز الطلبة ودافعيتهم للتعلم، ويزعزع شعورهم بالأمان والانتماء. كما أن الاكتظاظ وضعف الإمكانات يضعفان قدرة الكوادر التعليمية على أداء مهامهم بكفاءة، ما ينعكس سلبا على جودة العملية التعليمية برمتها.

وتتابع نمارق جواد حديثها بالتأكيد على أن ملف الأبنية المدرسية لم يعد يحتمل التأجيل أو الحلول المؤقتة، معتبرة أن معالجته باتت ضرورة ملحة لضمان حق الطلبة في تعليم كريم، وبيئة مدرسية آمنة، تكون أساسا لبناء جيل قادر على التعلم والإبداع وخدمة مجتمعه.

الدوام الثنائي

من جهتها، تقول عضو نقابة المعلمين في محافظة النجف، سهاد الخطيب، إنّ أغلب مدارس محافظة النجف تعمل بنظام الدوام الثنائي، ولا يوجد دوام أحادي إلا في مدارس المتميزين والمتفوقين.

وتضيف الخطيب أن المدارس التي كانت تعتمد على الدوام الثلاثي يتم نقل دوامها إلى مدارس أخرى، في حال وجود أعمال ترميم، لحين استكمال الصيانة.

وتوضح الخطيب في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن مدارس المناطق العشوائية، مثل البراكية قرب المطار وحي الرحمة، تعاني من اكتظاظ كبير، إذ تصل أعداد التلاميذ في الصف الواحد، حتى في الدوام الثنائي، إلى ما بين 70 و80 تلميذًا. وفي المقابل، تشهد مدارس الأحياء الراقية تكدسا أقل، نتيجة توجه عدد من العائلات إلى التعليم الأهلي.

وبشأن المدارس الكرفانية، تؤكد الخطيب أن هذا الملف انتهى إلى حد كبير بعد حوادث الحرائق التي شهدتها بعض المدارس، والتي دفعت إلى إنهاء الاعتماد عليها حفاظا على سلامة التلاميذ.