تشكل الحسابات الختامية أداة أساسية للتحقق الفعلي لما تم انفاقه في السنة السابقة لإقرار الموازنة السنوية سواء بالنسبة للنفقات العامة وما تم جبايته من إيرادات، لذلك فهي تمثل نظاما يتم بموجبه تقييم النتائج التي تترتب على تنفيذ الموازنة السنوية ليشكل منطلقا مهما للسلطة التشريعية للقيام بأداء دورها الرقابي على الحكومة باستقلالية تامة وضبط نشاطها من خلال البيانات التي تقدمها والتي تمكنها من تحقق مدى التزام السلطة التنفيذية بما وعدت به في منهاجها السنوي.
واذا كانت الحسابات الختامية بهذه الأهمية فلماذا تجاهل مجلس النواب هذه الحسابات في جميع الموازنات السنوية التي أقر قانونها باستثناء السنوات التي لم ترسل الموازنة من الحكومة وخاصة في سنتي عام 1914 و2020 مع علمه التام ان هذه الحسابات تشكل جزء لا يتجزأ من الموازنة السنوية وفقا للمادة 62 / أولا من الدستور)، والحقيقة أن هذا الخرق الدستوري تتحمله الحكومة فهي المسؤولة عن إرسال الموازنة والحسابات الختامية في أن واحد طبقا لنص المادة المذكورة، ونطمح من الحكومة الحالية وهي تتهيأ لدراسة مشروع الموازنة لعام 2027 ان لا تكرر اسقاطات الحكومات السابقة.
وأيا كانت التبريرات التي تسوقها الحكومات في السنوات السابقة بكون الأسباب ترجع إلى عجز الوحدات الحسابية في الجهاز الحكومي عن استكمال الحسابات الختامية بسبب إشكالية السلف التي وصل حجمها حسب بعض التقديرات ما يقارب 200 تريليون دينار بدون معالجة من قبل الوزارات وغيرها من الأسباب، فاذا حصل هذا الإخفاق في سنة ما أو سنتين فهل تعجز الحكومة عن معالجة هذا الخرق الفاضح بكل الأدوات والآليات المتاحة لها؟ أم أن هناك أسبابا أخر تعرقل هذه المادة الدستورية؟ وفي مقدمتها انتشار قوى الفساد المهيمنة على مختلف مفاصل الجهاز الحكومي والتي تتخذ من تأخير إرسال الحسابات الختامية للتعمية على عمليات النهب والهدر المالي الذي بلغ مئات التريليونات من الدنانير وفي هذه الجزئية المفصلية يتحمل البرلمان المسؤولية في محاسبة الحكومة على هذا الإهمال حسب الصلاحيات الدستورية الممنوحة له، كما أن أيا من أعضاء البرلمان يستطيع إقامة الدعوى لدى المحكمة الاتحادية الا اذا كان في الأمر أسباب تتعلق بفقدان الشفافية في عرض البيانات الحسابية من قبل الحكومة، ومن المؤسف أن نسمع أن مجلس النواب سيقوم بدراسة الحسابات الختامية لعام 2014 كما فعل من قبل في دراسة الحسابات الختامية لعامي 2007 التي قدمت في عام 2011 وأقرها في مدة نصف ساعة!
ولتسليط الضوء على تداعيات غياب الحسابات الختامية والاثار المترتبة عليها سواء من قبل الحكومة او مجلس النواب فمعنى ذلك ان مجلس النواب يناقش الأرقام التخمينية في الموازنات السنوية العامة التي تقدمها الحكومة دون ان تتوفر له معلومات عما انفق وانجز فعلا من موازنة العام السابق او العام الاسبق أي ان مرجعية المجلس عدا اجراء المقارنات بين بنود
الموازنة العامة قيد المناقشة وهي ارقام تخمينية اخرى للأعوام السابقة وهذا يعني من الناحية العملية ان مناقشة الموازنة تتم من قبل مجلس النواب دون ان تكون له معرفة بما جرى ويجري على ارض الواقع وما انفقته كل وزارة او هيئة مستقلة فعلا ومعرفة مواطن الفشل او النجاح للاستفادة من المعلومات في تقييم التخصيصات المقترحة من الحكومة للسنة الجارية .
نخلص من كل تقدم ان مهمة الحكومة معرفة كيفية ومكان صرف كل دينار في الموازنة وان الحسابات الختامية من الأهمية بمكان بحيث تمكن من الكشف عن حجم المبالغ التي صرفت في السنين السابقة او التي ستنفق في السنوات اللاحقة لتحديد اشكال التلاعب بالمال العام من قبل منظومات الفساد واليات تجريمها وعمليات استردادها. ما يجعلها تلجا لأنفاق ما تبقى من التخصيصات المالية بالوسائل والأساليب التي تسمح بالهدر والتلاعب بالمال العام. ان الحكومة الحالية مطالبة بمغادرة ما اخفقت به الحكومات التي سبقتها. دون تردد او مجاملة .