اخر الاخبار

سجلت الحركة الاجتماعية في العراق 297 فعالية احتجاجية خلال 100 يوم من عمر الحكومة، حسب رصد جريدة "طريق الشعب" في عددها ليوم الخميس 20 آب 2026. وهذا رقم لا يمكن المرور عليه بوصفه مجرد حصيلة إحصائية، ذلك أنه يقول شيئاً أعمق عن علاقة المواطنين بالنظام السياسي، وعن حجم الضيق الذي لم يعد يمكن تحمله.

فالحكومة تحدد مهلاً لتقييم أدائها، لكن حاجات الناس لا تعرف مثل هذه المهل. فالفلاح يريد مستحقاته، والخريج يبحث عن فرصة عمل، والمتعاقد ينتظر راتبه، والمواطن يريد كهرباء وماء وخدمات تحفظ له الحد الأدنى من العيش الكريم. وهذه ليست مطالب مؤجلة، وإنما حاجات يومية تضغط على حياة الناس وتدفعهم إلى الشارع.

والمفارقة أن المجتمع ظل يتحرك أسرع من طغمة الحكم، التي تلكأت حتى الآن في تنفيذ التزاماتها الدستورية. ففي الوقت الذي خرج فيه الناس بمئات الفعاليات الاحتجاجية، بقيت تسع وزارات من دون وزراء أصيلين، بينها وزارات أساسية مثل الداخلية والدفاع والتخطيط والعمل والإعمار والتعليم العالي، فيما ظل استكمال الحكومة عالقاً في حسابات التوافق والمساومات السياسية.

المشكلة، إذن، ليست أن العراقيين يحتجون كثيراً، وإنما أن الأسباب التي تدفعهم إلى الاحتجاج يعاد إنتاجها كل يوم. الكهرباء وحدها دفعت إلى عشرات الفعاليات، ومعها خرج الفلاحون والخريجون وخريجو المهن الطبية والصحية والمتعاقدون وشرائح أخرى، وكلها تقول الشيء نفسه بصيغ مختلفة: هناك خلل في الأولويات، وفي توزيع الموارد، وفي طريقة إدارة الدولة.

والأخطر أن بعض هذه الاحتجاجات لم يُقابل بالاستماع وبالحوار، وإنما بالقمع والاعتقال والضرب والملاحقة. وهنا تتحول الأزمة من أزمة خدمة أو راتب أو فرصة عمل إلى أزمة ثقة. فالمواطن الذي لا يحصل على حقه، ويعاقب حين يطالب به، لا يعود يسأل عن الخدمة وحدها، وإنما عن طبيعة النظام السياسي الذي يتعامل معه بهذه الطريقة.

وهذه ليست المرة الأولى التي يبدأ فيها الاحتجاج من مطلب معيشي ثم يتسع إلى سؤال سياسي. فقد أوضحت تجربتا 2015 وتشرين 2019 أن المطالب الخدمية والاقتصادية يمكن أن تتحول، مع استمرار الإهمال والقمع، إلى أسئلة تتعلق بطريقة الحكم نفسها، وأن الحلول الأمنية والترقيعية لا تطفئ الأزمة، وإنما تعيد إنتاجها بصورة أشد.

وحين تتكرر المطالب نفسها، في المحافظات نفسها، وعبر الحكومات المتعاقبة، يصبح من الصعب اعتبار المشكلة مجرد خلل إداري. فنحن أمام أزمة أعمق، تتعلق بنمط حكم لم ينجح في تحويل موارد البلد إلى خدمات وفرص عمل وتنمية، فيما بقي قادراً على إعادة إنتاج المحاصصة والتسويات السياسية.

لهذا فإن 297 فعالية احتجاجية خلال مئة يوم ليست رقماً ضد حكومة بعينها، وإنما جرس إنذار لنظام كامل. فالناس لا تقيس الأداء بعدد الاجتماعات والتصريحات، وإنما بما يتغير في حياتها. والمطالب التي لا تجد استجابة لا تختفي، وإنما تتراكم، ومعها يتراكم الغضب وتتسع أزمة الثقة. وحين تعجز مؤسسات الدولة عن فتح الطريق أمام الناس لنيل حقوقهم، يفتح الناس طريقهم إلى الشارع. وتجارب العراق القريبة تقول إن الاحتجاج الذي يبدأ بالكهرباء أو الراتب أو فرصة العمل، قد لا يبقى عندها طويلاً. وهنا لا يبقى الشارع يطالب بحل هذه المشكلة أو تلك، وإنما يصبح هو نفسه سؤالاً سياسياً مفتوحاً أمام النظام كله.