اخر الاخبار

حسب تقديرات منظمة اليونسكو هناك ملايين الفتيات حول العالم محرومات من التعليم، بينما تشير تقارير البنك الدولي إلى خسائر اقتصادية ضخمة ناتجة عن حرمان النساء من فرص التعليم الكاملة. ويتطلب الحل تكاتف الجهود المجتمعية وتوفير الدعم المالي والمنح الدراسية وتحسين البنى التحتية للتعليم.

وفي العراق يُشكل تعليم الفتيات حجر الزاوية في بناء مجتمع مستقر، وكانت هناك طموحات ومبادرات رسمية ودولية مستمرة لإعادة الطالبات المتسربات إلى مقاعد الدراسة. ورغم هذا لا يزال واقع تعليم الإناث يواجه تحديات بنيوية واجتماعية معقدة، وتحديداً تعليم الفتيات في البيئات الريفية والمناطق العشوائية (التجاوز).

وإزاء الجهود والمبادرات الحكومية والدولية الخجولة، تشير الأرقام الصادرة عن وزارتي التربية والتخطيط حسب تعداد السكان الأخير، إلى أن معدلات الأمية والتسرب الدراسي بين الإناث تجاوزت 22 في المائة في بعض المحافظات الأكثر تضرراً مثل المثنى، ونينوى، وميسان، لتتحول لغة الأرقام والمقاعد الدراسية المهجورة إلى واقع يهدد مستقبل جيل كامل.

وتتخذ هذه الأزمة العامة أبعاداً أكثر قسوة وتأثيراً عند الانتقال إلى المناطق الريفية، حيث تتقاطع وعورة الجغرافيا مع قيود التقاليد. ففي القرى تضطر الفتيات لقطع مسافات طويلة وخطيرة للوصول إلى المدارس الثانوية في مراكز المدن، ما يدفع العائلات الى منعهن خوفاً على سلامتهن. ومع غياب المباني المدرسية المخصصة للبنات، يصبح سن البلوغ بمثابة نهاية للرحلة التعليمية، لتتحول التلميذة المتفوقة إلى عاملة في الحقول، أو الى عروس قاصر تُزف قبل أوانها لتخفيف الأعباء المالية عن كاهل العائلة.

أما في العشوائيات ومجمعات "التجاوز" المحيطة بالمدن الكبرى، فيأخذ الحرمان شكلاً آخر يمتزج فيه الاضطهاد الاقتصادي بالضياع القانوني. هناك تُحرم آلاف الفتيات من دخول المدارس الحكومية بسبب عدم امتلاك عائلاتهن النازحة أوراقاً ثبوتية رسمية. وفي هذه البيئات المكتظة، لا يُنظر للتعليم كأولوية، بل تُدفع الصغيرات مبكراً إلى سوق العمل غير الآمن، أو البيع عند تقاطعات الطرق لتوفير القوت اليومي، وسط مدارس تعاني من اكتظاظ كارثي يصل إلى 70 تلميذاً في الصف الواحد.

إن إنقاذ تعليم الفتيات في ريف العراق وعشوائياته يتطلب الانتقال من المسكنات الموضعية وحملات "التعليم المسرع" المؤقتة إلى حلول جذريّة. ولن يتعالج هذا الملف إلا بتفعيل صارم لقانون إلزامية التعليم، بالاضافة الى ضرورة تعديله ليشمل المرحلة المتوسطة، مع توفير بيئة أمنية واقتصادية تحمي الطالبات عبر بناء مؤسسات تربوية آمنة وقريبة، وانتشال العائلات من مستنقع العوز الاقتصادي. فكل فتاة تُحرم من حقها في التعليم والمعرفة اليوم، هي مشروع أمية وألم يُورّث للأجيال القادمة، ويعرقل مراحل التنمية والتقدم.